
بين وعود إعادة الإعمار وواقع الخيام التي تغمرها مياه الأمطار، تواجه سلطة دمشق المؤقتة أسئلة متصاعدة بشأن مصير أموال حملة «الوفاء لإدلب»، التي تجاوزت تبرعاتها 208 ملايين دولار، فيما لا تزال معاناة النازحين تطرح علامات استفهام حول حجم الإنجاز الفعلي على الأرض.
المخيمات تغرق، والعائلات النازحة تواجه قسوة الظروف، فيما مرَّ عام كامل على إطلاق حملة «الوفاء لإدلب»، المعروفة شعبياً باسم «إدلب العز»، التي أُطلقت في 26 أيلول/سبتمبر 2025، تحت عناوين إعادة الإعمار وتأهيل المناطق المتضررة ومساعدة أكثر من مليون نازح يقيمون في مخيمات إدلب.
لكن بعد مرور عام، يعود السؤال الأكثر إلحاحاً: أين ذهبت أكثر من 208 ملايين دولار؟ وما الذي تحقق فعلياً من الوعود التي جُمعت الأموال على أساسها؟
208 ملايين دولار.. أين نتائج الحملة على الأرض؟
تجاوزت التبرعات المعلنة للحملة 208 ملايين دولار، وهو مبلغ كان يفترض أن يشكّل فرصة كبيرة لتحسين ظروف النازحين، وتمويل مشاريع الإيواء وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وتوفير بدائل أكثر أماناً للعائلات التي تعيش منذ سنوات في المخيمات.
غير أن استمرار معاناة النازحين، وظهور مشاهد غرق المخيمات مع هطول الأمطار، يضعان الجهات المسؤولة أمام أسئلة لا يمكن تجاوزها بالشعارات: ما حجم الأموال التي جرى تحصيلها فعلياً؟ وكم صُرف منها؟ وما المشاريع التي نُفذت؟ وكم عائلة استفادت منها؟
إن جمع التبرعات باسم المنكوبين لا يُقاس بحجم المبالغ المعلنة أو الاحتفالات المصاحبة للحملة، بل بالنتائج التي تصل إلى مستحقيها. وبعد مرور عام، يصبح نشر كشف مالي واضح عن الإيرادات والنفقات والمشاريع المنفذة ضرورة لضمان الشفافية وحق المتبرعين والمستفيدين في معرفة مصير الأموال.
10,400 شقة سكنية.. ماذا كان يمكن أن تفعل هذه الأموال؟
تكشف الحسابات التقديرية حجم الإمكانات التي كان يمكن أن توفرها أموال الحملة، إذا خُصصت لبناء مساكن اقتصادية للنازحين.
فوفق فرضية بناء شقق اقتصادية بمساحة 100 متر مربع، وبكلفة تقديرية تبلغ 200 دولار للمتر المربع، تصل كلفة الشقة الواحدة إلى نحو 20 ألف دولار. وبناءً على هذا الحساب، فإن مبلغ 208 ملايين دولار يمكن أن يمول نظرياً بناء نحو 10,400 شقة سكنية.
هذا تقدير حسابي مشروط بتحقق كلفة البناء المفترضة، ولا يشمل بالضرورة البنية التحتية والخدمات والأراضي وسائر النفقات الإضافية. لكنه يوضح حجم الفرصة التي يمثلها هذا المبلغ إذا وُجّه إلى حلول سكنية مستدامة بدلاً من الاكتفاء بالاستجابات المؤقتة.
فبدلاً من بقاء آلاف العائلات تحت رحمة الأمطار والبرد، كان يمكن لمشاريع إسكان مدروسة أن توفر مأوى أكثر أماناً واستقراراً لعدد كبير من النازحين، وفق الإمكانات الفعلية وتكاليف التنفيذ.
ليست أموال التبرعات وحدها.. أين تذهب بقية الموارد؟
السؤال لا يتعلق بحملة «الوفاء لإدلب» وحدها، بل يأتي في سياق أوسع يتعلق بقدرة السلطة على توظيف الموارد المتاحة لتخفيف معاناة السوريين.
فعائدات النفط والموانئ والمطارات والمعابر، إلى جانب الاستثمارات والمساعدات الخليجية والدولية، تفتح باباً إضافياً للتساؤل عن أولويات الإنفاق العام، وحجم ما يُخصص منه لإعادة الإعمار والإسكان وتحسين الظروف المعيشية للنازحين.
فإذا كانت إعادة الإعمار أولوية فعلية، فلماذا لا تظهر نتائجها بما يتناسب مع حجم الاحتياجات؟ وإذا كانت مساعدة النازحين هدفاً معلناً، فأين أثر الأموال التي جُمعت باسمهم؟
الحكومة أمام اختبار الشفافية والمحاسبة
إن استمرار غرق المخيمات لا يثبت وحده أن أموال الحملة اختفت أو أسيء التصرف بها، لكنه يجعل المطالبة بكشف حساباتها ومراجعة نتائجها أكثر إلحاحاً، خصوصاً بعد مرور عام على إطلاقها.
وتتمثل الخطوات المطلوبة في نشر إجمالي التبرعات المحصّلة فعلياً، وتفصيل أوجه الصرف، والإعلان عن المشاريع التي أُنجزت وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ، وتحديد عدد العائلات المستفيدة، مع إتاحة البيانات المالية لجهة رقابية مستقلة.
فالأموال التي جُمعت باسم النازحين ليست مجرد أرقام في بيانات الحملات، بل موارد خُصصت لغرض إنساني واضح، ومن حق المتبرعين والمستفيدين معرفة ما تحقق بها.
208 ملايين دولار رقم كبير، لكن قيمة أي حملة لا تُقاس بما جُمع في يوم واحد، بل بما تغيّر في حياة الناس بعد عام كامل. وحين لا تزال المخيمات تغرق، يصبح الصمت عن النتائج مشكلة بحد ذاته، وتصبح الشفافية والمحاسبة واجباً لا يحتمل التأجيل.




