
تحقيق صحفي موسّع / دمشق – 27 نيسان 2026
في ظل التحولات العميقة التي تشهدها سوريا عقب سقوط النظام السابق، تتزايد المؤشرات على تصاعد خطاب طائفي يستهدف المكوّن المسيحي، في تطور لم يعد يقتصر على حالات فردية معزولة، بل بات، وفق تقارير إعلامية وحقوقية، جزءًا من مشهد أوسع يعكس اختلالًا في التوازنات الاجتماعية والأمنية.
أحدث هذه المؤشرات برز في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، حيث كُتبت عبارات طائفية على جدران مدرسة ابتدائية في “شارع نابولي”، من بينها عبارة “يسقط الصليب، ويحيا الإسلام”، داخل منطقة ذات حضور مسيحي بارز. الحادثة، التي أثارت استياءً محليًا، تأتي ضمن سلسلة من الوقائع التي وثقتها منصات إعلامية متعددة، ما يعزز فرضية وجود نمط متكرر يتجاوز الطابع العفوي.
تصاعد الخطاب الطائفي… من الفضاء الرقمي إلى الشارع
تشير تقارير منشورة على موقع “The Cradle Arabic” إلى أن المرحلة التي أعقبت التغيرات السياسية في دمشق شهدت تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب الطائفي، بالتوازي مع ضعف مؤسسات الضبط الأمني في مناطق سلطة دمشق المؤقتة. هذا التصاعد لم يبقَ محصورًا في وسائل التواصل أو الخطاب غير الرسمي، بل انتقل تدريجيًا إلى الحيز العام.
وتؤكد تغطيات “i24NEWS” و“Euronews عربية” هذا الاتجاه، حيث تم رصد كتابات مسيئة على جدران كنائس في أحياء دمشق، بينها القصاع، في مشهد يحمل دلالات رمزية تتعلق باستهداف الهوية الدينية، وليس فقط الممتلكات.
منشورات التهديد… انتقال إلى مرحلة التحريض المباشر
في مدينة صافيتا بريف طرطوس، وثّقت التقارير توزيع منشورات تتضمن تهديدات صريحة بالقتل والحرق والتهجير على أساس ديني. هذا النوع من الرسائل يمثل، وفق مراقبين، انتقالًا نوعيًا من خطاب الكراهية إلى التحريض العلني، ما يرفع من مستوى المخاطر الأمنية.
كما تحدثت المصادر عن استخدام سيارات مزودة بمكبرات صوت تجوب أحياء ذات غالبية مسيحية، تبث شعارات دينية ذات طابع إقصائي، الأمر الذي يعزز شعور السكان بالاستهداف المباشر، ويخلق بيئة نفسية ضاغطة تدفع نحو الانكفاء أو الهجرة.
تضييق الحياة اليومية… ممارسات تتجاوز الخطاب
بحسب ما أوردته “Euronews عربية”، فإن الانتهاكات لم تعد تقتصر على الشعارات أو التهديدات، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد تم تسجيل تدخلات في نمط اللباس والسلوك الاجتماعي، إلى جانب فرض قيود غير معلنة على حركة السكان، خصوصًا خلال ساعات الليل.
وتشير تقارير أخرى إلى تضييق اقتصادي يستهدف بعض الأنشطة التجارية، وفرض مبالغ مالية تحت مسميات دينية في مناطق خاضعة لنفوذ مجموعات مسلحة تابعة لسلطة دمشق المؤقتة، ما يضع السكان أمام ضغوط معيشية إضافية ترتبط بهويتهم الدينية.
اعتداءات مباشرة وإلغاء الطقوس… رسائل احتجاج صامتة
في مدينة السقيلبية بريف حماة، أفادت تقارير إعلامية بتعرض مدنيين مسيحيين لهجمات، في تطور دفع الكنائس إلى إلغاء احتفالات “أحد الشعانين” في مارس 2026. هذه الخطوة، التي بدت غير مسبوقة في سياقها، فُسّرت على أنها رسالة احتجاج على تدهور الأوضاع الأمنية.
وبحسب ما نشرته صحيفة “الأخبار”، فإن تقليص أو إلغاء المظاهر الاحتفالية الدينية في عدة مناطق يعكس حالة من القلق العميق داخل المجتمع المسيحي، الذي بات يفضل الانكفاء على المجاهرة بالطقوس في ظل غياب الضمانات.
احتجاجات ومطالب بالحماية وسط صمت رسمي
هذا القلق تجلّى أيضًا في وقفات احتجاجية شهدها حي باب توما في دمشق خلال مارس 2026، حيث طالب المشاركون بتوفير حماية فعلية للأقليات الدينية. إلا أن هذه التحركات بقيت محدودة، ولم تُقابل بإجراءات واضحة أو تصريحات رسمية حاسمة.
ويشير مراقبون إلى أن غياب الرد المؤسسي يعزز من شعور المجتمعات المتضررة بالعزلة، خاصةً مع تورط سلطة دمشق المؤقتة عبر فصائلها بارتكاب الانتهاكات ضد المسيحيين بشكل مباشر.
تغير ديموغرافي تدريجي… نزيف صامت في الشمال
في موازاة هذه التطورات، تشير المعطيات إلى تراجع ملحوظ في أعداد المسيحيين في بعض المناطق، لا سيما في ريف إدلب الغربي، مثل الغسانية واليعقوبية. هذا التراجع يُعزى إلى مزيج من العوامل، بينها انعدام الاستقرار، والضغوط الاجتماعية، وتصاعد الخطاب الطائفي.
ويرى محللون أن هذه المؤشرات قد تقود إلى تغيّر ديموغرافي طويل الأمد، يهدد بتقليص أو اختفاء مكونات تاريخية من النسيج السوري، في حال استمر الوضع دون تدخل فعّال.
بين الواقع الميداني ومستقبل التعددية
تكشف الوقائع الميدانية، المدعومة بتقارير إعلامية وحقوقية، عن مسار متصاعد يبدأ بخطاب طائفي علني، ويتطور إلى ممارسات تضييق، وصولًا إلى اعتداءات مباشرة وتغيرات سكانية محتملة.
وفي ظل غياب ضمانات واضحة للحماية والمساءلة، يبرز تحدٍ حقيقي أمام مستقبل التعددية الدينية في سوريا، حيث باتت بعض المكونات التاريخية تواجه ضغوطًا متزايدة قد تدفعها إلى الانسحاب التدريجي من المشهد.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح المرحلة الانتقالية في احتواء هذه الظواهر، أم أن البلاد تتجه نحو إعادة تشكيل بنيتها الاجتماعية على أسس أكثر انغلاقًا؟




