
اتهمت الكاتبة والباحثة السياسية السورية المسيحية سالي عبيد وسائل الإعلام العربية والناطقة بالعربية بالمساهمة في «طمس حقيقة» ما يجري في مدينة السقيلبية، من خلال الاستمرار في توصيف الأحداث المتكررة التي تشهدها المدينة على أنها «خلافات محلية» أو «مشاجرات بين شبان»، رغم ما قالت إنه توفر تسجيلات ومقاطع مصورة وشهادات وتحقيقات مستقلة توثق الوقائع وتتيح التحقق منها.
وقالت عبيد إن التعامل مع ما يحدث في السقيلبية بهذه الصيغة لم يعد مقبولاً مهنياً أو أخلاقياً، معتبرة أن الوصول إلى الحقيقة بات متاحاً من خلال العودة إلى المواد الأصلية ومقارنة الروايات المختلفة وتتبع كيفية بدء الاعتداءات والجهات التي شاركت فيها، ومعرفة من استخدم السلاح ومن تعرضت ممتلكاته للتخريب ومن انتهى به الأمر معتقلاً.
سلسلة أحداث متراكمة منذ 2024
وربطت عبيد بين الأحداث الأخيرة في السقيلبية وسلسلة حوادث شهدتها المدينة ذات الغالبية المسيحية منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وأشارت إلى تعرض كنيسة آيا صوفيا للروم الأرثوذكس للتخريب بعد ثلاثة أيام فقط من سقوط النظام، ثم إحراق شجرة الميلاد بعد أقل من أسبوعين، قبل أن تتوالى خلال عام 2025 شكاوى تتعلق بدخول مجموعات من خارج المدينة والتحرش بالنساء والاستفزازات والاعتداءات المختلفة.
وأضافت أن المدينة شهدت لاحقاً وقائع إطلاق نار واستخدام قنابل وظهور خطابات ذات طابع طائفي استهدفت المسيحيين، معتبرة أن تكرار هذه الحوادث يجعل من الصعب التعامل مع كل واقعة على أنها حادثة منفصلة عما سبقها.
أحداث آذار 2026
وقالت عبيد إن المشهد تصاعد بصورة أكبر خلال يومي 27 و28 آذار/مارس 2026، موضحة أن المواجهة بدأت، بحسب شهادات موثقة، بعد اعتداءات وحالات تحرش، قبل أن تتحول إلى عمليات حشد واسعة ودخول مجموعات من خارج المدينة على متن سيارات ودراجات نارية.
وأضافت أن تلك الأحداث تخللتها أعمال تكسير لمحال ومركبات وإطلاق نار واعتداءات على السكان واستهداف لرموز دينية.
وأشارت إلى أن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء تحدثت لاحقاً عن حشد لا يقل عن مئة رجل عبر نقطة تفتيش تابعة لوزارة الداخلية، قالت إنهم هاجموا ممتلكات مسيحية داخل المدينة.
واعتبرت أن اختزال تلك الوقائع رسمياً بعبارة «مشاجرة جماعية» لا يعكس حقيقة ما جرى على الأرض.
«المصالحة» وعودة التوتر
وبحسب عبيد، فإن ما أعقب تلك الأحداث لم يتضمن إعلان نتائج تحقيق مستقل أو كشفاً واضحاً للمسؤوليات أو إجراءات محاسبة شفافة، بل اقتصر على تسوية أنهت التوتر مؤقتاً وأدت إلى إسقاط الدعاوى.
وأضافت أن الأحداث عادت مجدداً بعد أشهر قليلة في تموز/يوليو 2026، مع ورود تقارير عن وجود مسلحين واستخدام أسلحة وقنابل وحدوث حالات تحرش بالنساء وإطلاق نار.
وأشارت إلى أن تلك التطورات أعقبها احتجاجات بعدما وجد عدد من شبان السقيلبية أنفسهم أيضاً ضمن دائرة التوقيف والملاحقة.
تكرار المشهد في تشرين الأول
وقالت عبيد إن مشاهد مشابهة تكررت خلال يومي 3 و4 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مشيرة إلى ورود معلومات عن إطلاق نار باتجاه منازل ومحال تجارية وتخريب ممتلكات وإصابة امرأة، إضافة إلى مداهمات واعتقالات.
وأضافت أن الرواية الرسمية عادت مجدداً، بحسب تعبيرها، إلى توصيف ما جرى بأنه «مشاجرة».
انتقادات للتغطية الإعلامية
ورأت عبيد أن من حق أي وسيلة إعلامية انتظار التحقق قبل تبني أي رواية، بل إن ذلك من صميم واجبها المهني، إلا أنها اعتبرت أن التحقق لا يعني الاكتفاء بنقل بيان أمني أو تجاهل المواد الموثقة المتاحة.
وأضافت أن التحقق لا يعني أيضاً محو السياق التاريخي للأحداث أو وضع المعتدي والضحية في إطار واحد وكأنهما طرفان متساويان في شجار عابر، كما لا يعني تجاهل التسجيلات التي ينشرها أو يسرّبها المعتدون أنفسهم ثم التعامل مع الحقيقة على أنها غير متاحة.
وقالت إن من لا يريد تصديق روايات الأهالي يستطيع العودة إلى الأرشيف، ومن يشكك في الوقائع يمكنه مراجعة تقارير المنظمات المستقلة والجهات الأوروبية والحقوقية ومقارنتها بالروايات المتداولة.
واعتبرت أن إعادة إنتاج روايات غير مدعومة بالأدلة في وقت أصبحت فيه وسائل التحقق أكثر سهولة من أي وقت مضى لا تندرج ضمن الحياد المهني، بل تمثل خسارة للمصداقية.
غياب المحاسبة
وأضافت عبيد أن بعض المجموعات المتهمة بالضلوع في هذه الاعتداءات لا تتصرف وكأنها تخشى انكشاف أفعالها، مشيرة إلى أن بعض المشاركين يوثقون أفعالهم ويسجلونها وينشرونها بأنفسهم.
ورأت أن هذا النوع من السلوك لا ينشأ في الفراغ، بل يرتبط بتكرار غياب المحاسبة الجدية، وبوجود من يخفف من وقع الرواية أو يساوي بين المعتدين والضحايا أو يحول الجريمة إلى مجرد «توتر محلي».
دعوة للإعلام
ودعت عبيد وسائل الإعلام إلى أن تكون جزءاً من كشف الحقيقة لا من طمسها، من خلال مراجعة التسجيلات والتحقق من التوقيتات والاستماع إلى الضحايا ومقارنة الروايات الرسمية بالمواد الموثقة.
كما حثت وسائل الإعلام على عدم الاكتفاء بوصف الأحداث المتكررة في السقيلبية بأنها «مشاجرات» أو «توترات محلية»، مؤكدة أن ما يجري لا ينبغي النظر إليه باعتباره قضية تخص المسيحيين وحدهم.
وقالت إن الخطر لا يبقى محصوراً في مدينة أو طائفة عندما يصبح المعتدي واثقاً من الإفلات من العقاب، وعندما يصبح الإعلام مستعداً لتبني الرواية الأسهل بدلاً من التحقق من الوقائع.
وختمت عبيد بالقول إن السقيلبية ليست حادثة منفصلة، معتبرة أن السؤال لم يعد مقتصراً على ما جرى في كل واقعة، بل يمتد إلى أسباب تكرار الأحداث وعدم قدرة المعالجات السابقة على منع عودتها، مؤكدة أن الحفاظ على المصداقية الإعلامية يقتضي التعامل مع الوقائع استناداً إلى الأدلة والمواد الموثقة، لا إلى روايات تنفيها تلك الأدلة.




