مقالات

واجهات كردية بأجندات استخباراتية.. حين تُستغل الرموز الكردية في الحرب الهجينة

كرديار دريعي ـ عضو الهيئة الإدارية في مركز روجآفا للدراسات الاستراتيجية 

لم تعد الحروب الحديثة تُدار بالمدافع والطائرات وحدها، ففي عصر الحرب السيبرانية والهجينة، أصبحت المنصات الرقمية، ووسائل التواصل الافتراضي، ساحات فعلية للصراع السياسي والأمني، وأداة لإعادة تشكيل الوعي العام، وبث الشائعات، وتفكيك المجتمعات من الداخل، وفي الفضاء الكردي، تبرز خلال السنوات الأخيرة ظاهرة تستحق التوقف عندها، انتشار صفحات وحسابات تستخدم الرموز الكردية وصور القادة الكرد وأسماء مناطق وعشائر وأحزاب كردية.

بينما تنشط في الوقت نفسه في خطاب شديد التحريض ضد قوات سوريا الديمقراطية، وقائدها العام مظلوم عبدي، وحزب العمال الكردستاني، وتدفع باتجاه تعميق الانقسام الكردي ـ الكردي، المشكلة هنا لا تكمن في الاختلاف السياسي بحد ذاته؛ فالخلاف بين القوى الكردية أمر طبيعي ومشروع، بل إن خطورته تبدأ عندما تتحول الخلافات السياسية، إلى أدوات لحرب نفسية، وعندما تُستخدم الرموز الكردية نفسها لتسويق خطاب الكراهية والتحريض وتفكيك أي إمكانية للتفاهم بين القوى الكردية.

من الخلاف السياسي إلى الحرب النفسية

من المهم التمييز بين الإعلام الحزبي الحقيقي، وبين المنصات التي تستخدم أسماء ورموزاً كردية، دون أن تكون لها علاقة واضحة بالجهات التي تنتسب إليها، فبعض الصفحات تقدم نفسها باعتبارها منصات مؤيدة للحزب الديمقراطي الكردستاني، أو للنهج البارزاني، وتضع صور مسعود بارزاني، أو أعلام باشور كردستان في واجهاتها، لكنها تعتمد في مضمونها لغة هجومية ونابية، تتجاوز في كثير من الأحيان الخطاب السياسي المعروف للقنوات الرسمية للحزب وقيادته.

وهنا تبرز فرضية تستحق التحقيق، هل نحن أمام خلاف إعلامي كردي طبيعي، أم أمام عملية توظيف ممنهج للخلافات الكردية، من جانب جهات إقليمية، تسعى إلى توجيه الرأي العام الكردي؟ لا يمكن الجزم بأن كل صفحة من هذه الصفحات تابعة لجهاز استخبارات بعينه، من دون أدلة تقنية واستخبارية قابلة للتحقق، لكن أنماط السلوك الرقمي، وتزامن الحملات، وتشابه الرسائل، واستخدام هويات كردية مستعارة، كلها مؤشرات تجعل فرضية الحرب النفسية والهجينة، جديرة بالدراسة والتحقيق الجاد.

تكمن خطورة ذلك، في أن الرسالة لا تأتي بصورة مباشرة من جهة إقليمية معادية، وإنما تُقدَّم داخل غلاف كردي، فبدلاً من أن تظهر الرسالة باعتبارها موقفاً تركياً أو إقليمياً، تظهر تحت اسم «أبناء عفرين»، أو «عشائر كردستان»، أو «أحرار شنكال»، أو «أنصار النهج البارزاني»، أو غيرها من التسميات، التي تمنح المتلقي انطباعاً بأن الخطاب صادر من داخل المجتمع الكردي نفسه.

وهذا الأسلوب، لا يستهدف فقط الخصم السياسي، بل يستهدف ثقة المجتمع بمصادر المعلومات نفسها، فالهدف يصبح خلق انطباع بأن المشكلة داخلية، وأن الكرد هم الذين يتصارعون فيما بينهم، وأن الخلافات بينهم هي سبب أزماتهم، بينما تختفي القوى الخارجية التي تستفيد من استمرار هذا الانقسام خلف المشهد، وهنا يمكننا ملاحظة ثلاثة أنماط رئيسية في هذا النوع من النشاط الرقمي.

أولاً: صفحات المناطق والعشائر: وهي صفحات تستخدم أسماء عفرين، أو شنكال، أو الجزيرة، أو أسماء عشائر كردية، وتحاول تقديم خطاب سياسي، على أنه تعبير عن موقف اجتماعي، أو عشائري محلي، وتكمن خطورة هذا الأسلوب في إضفاء صفة شعبية على مواقف سياسية، صادرة عن أفراد، أو مجموعات محدودة، ثم تعميمها على منطقة أو عشيرة بأكملها.

ثانياً: صفحات تتخذ رموز هولير: تستخدم هذه الصفحات، صور مسعود بارزاني، وعلم باشور كردستان، وشعارات مرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وتجمع بين منشورات تمجّد القيادة الكردية في هولير، ومنشورات هجومية ضد “قسد” وقيادات روج آفا، وهنا تتحول الرموز إلى أداة لإنتاج شرعية وهمية، فالمتلقي قد يتعامل مع المنشور باعتباره امتداداً للموقف الرسمي للجهة الرسمية، لمجرد أن الصفحة تستخدم صور قياداتها ورموزها.

ثالثاً: الصفحات الإخبارية المموهة: تظهر صفحات أخرى بصورة إعلامية محايدة، وتنشر الأخبار اليومية والخدمية، ثم تتحول بصورة مفاجئة إلى منصات شديدة الاستقطاب، خصوصاً أثناء الأزمات السياسية، أو العسكرية، ويزداد تأثير هذه الصفحات عندما تعمل ضمن شبكة مترابطة من الحسابات، التي تعيد نشر المحتوى نفسه، وتضخم المنشورات عبر التعليقات والمشاركة المنظمة، بما يوحي بوجود رأي عام واسع، بينما حقيقة الأمر إن هذا النشاط ناتج عن حسابات مكررة أو مجهولة المصدر.

ما سبب استهداف “قسد” وروج آفا

تظهر أحياناً مؤشرات تقنية يمكن استخدامها للتحقق من هوية هذه الشبكات، من بينها تاريخ إنشاء الحساب، وأسماء الصفحات السابقة، وتغييرات الاسم، ومواقع مديري الصفحات، عندما تكون هذه البيانات متاحة علناً، وأنماط النشر، وتوقيت الحملات، وتشابه اللغة، والروابط بين الحسابات. كما يمكن أن تكشف اللغة المستخدمة بعض المؤشرات، خصوصاً عندما تعتمد منشورات كردية، على تراكيب ترجمة آلية، أو مصطلحات أمنية وسياسية تبدو منقولة حرفياً من خطاب آخر.

هذه المؤشرات لافتة لإثبات ارتباط هذه المواقع والصفحات بأجهزة استخبارات إقليمية، وليس بالضرورة أن تكون تابعة لجهة معينة دون غيرها، لتعدد الجهات الساعية الى ضرب الداخل الكردي، في ظل تزايد الصراع على المنطقة، والحديث عن تورط جهاز الاستخبارات التركي، نابع من تجارب عديدة خلال سنوات الازمة السورية، وخاصة أثناء احتلال عفرين، والمناطق الأخرى التي ترافقت مع زيادة نشاط هذه المواقع، التي لحظت بإن مراكز إدارتها كانت من غازي عنتاب، وأورفا، وإسطنبول، وغيرها من المدن التركية.

تأتي قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والإدارة الذاتية، في قلب جزء أساسي من الصراع السوري، والإقليمي، ولذلك؛ فإن ضرب صورتها سياسياً وإعلامياً، له أثر يتجاوز حدود الخلاف الحزبي، وتصبح الحملات أكثر كثافة في لحظات التحولات السياسية أو العسكرية، عندما تكون المجتمعات أكثر قابلية لتلقي الشائعات والخطابات العاطفية، وفي مثل هذه الظروف، يمكن لأي خبر غير دقيق، أو حملة تشهير، أو رواية مجهولة المصدر، أن تتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، خصوصاً عندما تتولى عشرات الحسابات إعادة إنتاج الرسالة نفسها.

والهدف في هذه الحالة ليس إقناع الجمهور بموقف سياسي محدد، بقدر ما هو خلق حالة من الإحباط والشك وفقدان الثقة، ودفع الكرد إلى النظر إلى بعضهم باعتبارهم خصوما أساسيين، وأخطر ما في هذه الظاهرة تحويل الخلاف الكردي، إلى صراع اجتماعي، فالخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب العمال الكردستاني، وكذلك التباينات بين القوى الكردية في سوريا، ليست جديدة، وهي مرتبطة برؤى سياسية وتنظيمية وإقليمية مختلفة. لكن؛ تحويل هذه الاختلافات إلى خطاب كراهية شعبي يمثل انتقالاً خطيراً من مستوى السياسة إلى مستوى المجتمع.

فبدلاً من أن يناقش الكرد قضاياهم عبر الحوار والاتفاقات السياسية، يجري دفعهم إلى معارك إلكترونية تقوم على التخوين والإهانة والاتهام، وهنا تحديداً تصبح الحرب الرقمية أكثر خطورة من الدعاية التقليدية؛ لأنها لا تقدم نفسها باعتبارها دعاية، وإنما باعتبارها صوت الناس.

إذا كانت هذه الصفحات لا تمثل الموقف الرسمي للحزب الديمقراطي الكردستاني، أو قيادة باشور كردستان، فإن هناك حاجة إلى موقف واضح وصريح منها، فاستغلال اسم الحزب، وصور مسعود بارزاني، وعلم باشور كردستان، في حملات تحريضية ضد قوى كردية أخرى، لا ينبغي أن يبقى بلا رد سياسي وإعلامي، ولا يتعلق الأمر هنا بمنع النقد أو الاختلاف؛ فمن حق أي طرف كردي، أن ينتقد “قسد” أو حزب العمال، أو الإدارة الذاتية أو أي قوة سياسية أخرى. لكن؛ من الضروري الفصل بين النقد السياسي المشروع، وبين خطاب التحريض والكراهية، وانتحال الصفة واستخدام الرموز الرسمية، لتغطية أجندات ليست مجهولة بالنسبة للمهتم بالشأن الكردي، وتطورات المنطقة وطبيعة الصراع، ومن ثم، فإن إعلان الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقيادة باشور كردستان موقفاً واضحاً من هذه الصفحات والحسابات، وتحديد القنوات الرسمية التي تعبّر عن مواقفهما، من شأنه أن يقطع الطريق أمام أي جهة تحاول استغلال رموز هولير في معركة لا تخدم القضية الكردية.

أما استمرار الصمت، فلا يعني بالضرورة، وجود دعم لهذه المنصات، لكنه يترك المجال واسعاً للتأويل، وقد يعطي انطباعاً لدى الرأي العام، بأن الخطاب الصادر عنها يحظى بقبول أو تناغم سياسي من جانب الجهات التي تستعير أسماءها ورموزها، ومن هنا، فإن حماية صورة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقيادة باشور، لا تكون فقط بالدفاع عن مواقفهما السياسية، بل أيضاً بمنع الآخرين من التحدث باسمهما واستخدام رموزهما في صناعة صراع كردي ـ كردي.

فكلما ظهرت فرصة لتقريب المواقف بين القوى الكردية، يصبح خطاب التحريض أكثر خطورة، فأي تفاهم بين القوى الكردية، سواء في سوريا، أو على مستوى العلاقات بين هولير، وروج آفا، يعني تراجع قدرة الأطراف الخارجية على استثمار الخلافات الداخلية، ولهذا فإن تحويل التباينات السياسية إلى حملات إلكترونية شعبوية، قد يؤدي عملياً إلى إجهاض أي مسار للحوار، وإلى دفع الجمهور الكردي نحو الاصطفاف الحاد، وهنا لا تصبح المعركة حول حزب أو قائد فقط، وإنما حول إمكانية بناء حد أدنى من التفاهم الكردي، في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.

من المستفيد من استمرار حالة صراع؟

السؤال السياسي الأهم ليس، أي حزب كردي على حق؟ بل، من المستفيد من تحويل الخلاف بين الأحزاب الكردية، إلى عداء اجتماعي دائم؟ فالقضية الكردية في الشرق الأوسط، تواجه مجموعة من التحديات المتشابكة، ولا يمكن التعامل معها في ظل مجتمع كردي، مستنزف في صراعات داخلية مفتوحة، وكل جهة إقليمية تستطيع دفع الكرد إلى استهلاك طاقاتهم في معارك جانبية، فإنها تقلل في الوقت نفسه من قدرتهم على التفاوض والدفاع عن مصالحهم السياسية والدستورية.

لذلك؛ فإن الحرب الرقمية، لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها مشكلة إعلامية، وإنما باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على مستقبل التوازنات الكردية في المنطقة، وهنا هناك الحاجة إلى وجود جبهة كردية لمواجهة التضليل، لأن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإغلاق المجال أمام النقد، ولا بتجريم الاختلاف السياسي، وإنما ببناء منظومة كردية أكثر نضجاً في التعامل مع المعلومات.

وهذا يتطلب وجود مراكز رصد رقمية مستقلة، وتحقيقاً في الحسابات المشبوهة، وتوثيقاً لتزامن الحملات، وتحليلاً للغة والمحتوى، وكشف الحسابات المنسقة، والأهم نشر ثقافة التحقق بين الجمهور، كما تحتاج القوى الكردية نفسها إلى الالتزام بخطاب سياسي مسؤول، لأن ترك المجال للغة التخوين والإهانة يسهل مهمة أي جهة خارجية تريد استثمار الخلافات.

إن ظاهرة الصفحات التي تستعير أسماء ورموزاً كردية، لتوجيه خطاب تحريضي ضد قوى كردية أخرى، تستحق دراسة جدية، ليس لأنها تثبت تلقائياً وجود مؤامرة استخباراتية خلف كل حساب، وإنما لأن نمط الحرب الرقمية الحديثة، يجعل التلاعب بالهويات والانقسامات الداخلية، أحد أخطر أدوات الصراع السياسي، ووجود ارتباط بين هذه الشبكات وجهات استخبارية أو سياسية إقليمية، تجعل المسألة أكثر خطورة، لأنها تعني استخدام الهوية الكردية نفسها لضرب المشروع السياسي الكردي من الداخل.

لكن الخطر الأكبر ليس في وجود صفحات مجهولة، بل في نجاحها في جعل الكرد يتعاملون مع بعضهم باعتبارهم أعداء، ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء الخلاف الكردي، بل تحريره من أدوات الحرب النفسية؛ وليس منع النقد السياسي، بل منع تحويل النقد إلى تحريض؛ وليس توحيد الأحزاب قسراً، بل بناء قواعد تمنع أي جهة خارجية من استخدام الخلافات الكردية لتدمير إمكانية التفاهم.

أما الرموز الكردية، وصور القيادات التاريخية، فيجب ألا تتحول إلى أقنعة تستخدمها حسابات مجهولة لصناعة الكراهية، فالاختلاف بين الكرد، يمكن أن يبقى اختلافاً سياسياً، أما تحويله إلى صراع مجتمعي دائم، فهو بالضبط ما يجعل الآخرين يربحون، بينما ا ضدلكرد هم الذين يدفعون الثمن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى