الأخبار

أراضي المهجّرين في مزاد نظام الجولاني.. «اكتفاء» واجهة للاستيلاء على أملاك السوريين وفتح أبواب التغيير الديموغرافي والتتريك!

تتصاعد المخاوف بشأن مصير الملكية العقارية في سوريا، مع اتهامات لسلطة دمشق المؤقتة التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام بالاستيلاء على أراضي وممتلكات مواطنين مهجّرين، وطرحها للاستثمار من دون موافقة أصحابها، بالتزامن مع احتجاجات لسوريين مقيمين في الخارج يقولون إن أملاكهم التي استملكها النظام السوري السابق باتت تُباع اليوم إلى مستثمرين خليجيين في عهد نظام أحمد الشرع (الجولاني).

وتفتح هذه التطورات ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بحقوق الملكية، ومصير السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، وسط تساؤلات عن تحول الغياب القسري إلى فرصة لإعادة توزيع الأراضي والعقارات، وإقامة مصالح اقتصادية جديدة على حساب أصحابها الأصليين.

وفي قلب هذا الملف تبرز شركة «اكتفاء»، التي تتهمها تقارير وشهادات محلية بالاستيلاء على أراضٍ زراعية وعقارات تعود إلى مهجّرين في مناطق سورية عدة، وطرح بعضها للضمان والاستثمار وأخرى للبيع إلى مستثمرين خليجيين، في وقت لا يستطيع فيه أصحابها العودة إلى قراهم أو التصرف بممتلكاتهم.

«اكتفاء» تضع يدها على أملاك السوريين.. فمن منحها الحق؟

عاد الجدل حول دور شركة «اكتفاء» إلى الواجهة بعد ظهور مدير فرعها في حماة منذر الزهوري، قبل أيام، عبر شاشة «تلفزيون سوريا»، للحديث عن طبيعة عمل الشركة وآلية تعاملها مع أملاك المواطنين.

وعندما وُجّه إليه سؤال عن الصفة القانونية التي تتيح للشركة وضع يدها على ممتلكات المواطنين، أجاب بأنها شركة استثمار تنفذ قرارات تتعلق بـ«الكسب غير المشروع»، موضحاً أنها لا تنزع الملكية، بل تضع يدها على عقارات المتغيبين بصورة مؤقتة إلى حين عودة أصحابها، مدعياً: “نحن لا نسميها مصادرة، هي عبارة عن وضع يد”، وأن غياب المالكين دفع الجهات المعنية إلى التدخل لإدارة الأراضي الزراعية.

لكن هذا التبرير يطرح أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها: كيف يكون وضع اليد مؤقتاً إذا كان أصحاب الأراضي ممنوعين من العودة إلى قراهم والعمل في ممتلكاتهم؟ وكيف يمكن الحديث عن حماية الملكية، بينما تُطرح الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون للاستثمار والمزادات من دون موافقة أصحابها؟

وأين الضمانات التي تحول دون تحول السيطرة المؤقتة إلى استيلاء طويل الأمد، خصوصاً عندما يكون المالك مهجّراً، ولا يستطيع الوصول إلى أرضه أو الاعتراض على الإجراءات المتخذة بشأنها؟

إن الاستناد إلى قرارات تتعلق بالكسب غير المشروع لا يثبت، بحد ذاته، أن أملاك المواطنين مشمولة قانوناً بهذه القرارات، ولا يمنح أي شركة حقاً مطلقاً في التصرف بها. فلكل عقار وضعه القانوني، ولكل قرار شروطه وإجراءاته، ولا يمكن اعتبار غياب المالك عن البلاد دليلاً على عدم مشروعية ملكيته.

وتزداد خطورة القضية عندما تتحدث الشكاوى عن ضغوط لإجبار أصحاب العقارات على توقيع عقود استثمار، مع التلويح بالاعتقال أو القتل في حال الرفض، وهي ادعاءات تستدعي تحقيقاً مستقلاً وكشف العقود والقرارات والجهات المسؤولة عنها.

أراضي العلويين في ريف حماة.. تهجير مستمر وممتلكات تُطرح للاستثمار

تتهم تقارير وشهادات محلية اللجنة الاقتصادية التابعة لسلطات دمشق بوضع اليد على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية العائدة إلى مواطنين مهجّرين، ولا سيما في قرى علوية بريف حماة الشمالي والشرقي، مع تخصيص أراضٍ منها لشركة «اكتفاء»، المرتبطة بالمكتب الاقتصادي لمحافظة حماة، وفق المعلومات المتداولة.

وبحسب هذه المعلومات، لم تقتصر الإجراءات على إدارة الأراضي، بل شملت طرح مساحات زراعية وبساتين زيتون للضمان والاستثمار من دون الحصول على موافقة أصحابها، أو تمكينهم من العودة إلى قراهم وممارسة أعمالهم الزراعية.

وتشمل القرى الواردة في المعلومات: معان، والطليسية، ومريود، والمبطن، والزغبة، والفان القبلي، والفان الوسطاني، والشعتي، وطوبا، وأبو منسف، والخرسان، وكفر الطون، وأرزة، والشيخ علي كاسون، إضافة إلى بلدة اشتبرق في ريف إدلب.

وتشير المعلومات إلى أن أهالي 14 قرية في ريف حماة الشمالي، غالبيتهم من الطائفة العلوية، ما زالوا مهجّرين من منازلهم وأراضيهم، رغم مرور قرابة 20 شهراً على سقوط النظام السابق، وفق الفترة الزمنية التي تتناولها التقارير. كما تفيد بأن عدداً محدوداً من السكان بقي في بعض القرى خلال المراحل الأولى، قبل أن يغادر معظمهم إثر تعرض بعض المقيمين لجرائم قتل وتهديدات، بحسب الروايات الواردة.

وتتحدث الشهادات كذلك عن استقرار أشخاص في بعض القرى، وإبلاغ السكان المهجّرين بأن مناطقهم لم تعد متاحة لهم، الأمر الذي يثير مخاوف من تكريس واقع جديد يُحرم فيه أصحاب الأرض من العودة، بينما تُستثمر ممتلكاتهم لمصلحة أطراف أخرى.

وفي أيلول الماضي، أشارت معلومات متداولة إلى استمرار عرض أراضٍ زراعية وأشجار زيتون تعود إلى علويين في قرى بريف حماة وإدلب، من بينها اشتبرق، عبر مزادات للضمان والاستثمار، من دون موافقة أصحابها أو منحهم فرصة رفض تلك الإجراءات.

وتكتسب هذه الوقائع أهمية إضافية بالنظر إلى أن شركة «اكتفاء» كانت تُعرف سابقاً، وفق ما تذكره التقارير، باسم «لجنة الغنائم» التابعة لتنظيم هيئة تحرير الشام. ويثير هذا الارتباط تساؤلات بشأن طبيعة التحول من إدارة الممتلكات المستولى عليها خلال سنوات الصراع إلى نشاط استثماري منظم، والآليات القانونية التي تحكم نقل هذه الممتلكات وإدارتها.

فإذا كانت الأراضي تُطرح للاستثمار بينما يظل أصحابها ممنوعين من العودة، فإن السؤال لم يعد متعلقاً باسم الجهة التي تديرها، بل بمن يملك حق التصرف بها، ومن يحصل على عائداتها، وما إذا كان أصحاب الملكية يحتفظون فعلياً بحقوقهم.

من الأراضي الزراعية إلى المصانع.. هل تتسع دائرة الاستيلاء؟

لا تتوقف الشكاوى عند القرى المهجّرة في ريف حماة وإدلب، بل تتحدث عن ضغوط يتعرض لها أصحاب أراضٍ وعقارات في أرياف حمص وحماة وحلب ودمشق، لإجبارهم على توقيع عقود استثمار مع شركة «اكتفاء».

وبحسب هذه الشكاوى، يواجه بعض المالكين تهديدات بالاعتقال أو القتل إذا رفضوا توقيع العقود، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول مدى حرية الموافقة، وحقيقة العلاقة التعاقدية عندما يكون أحد الطرفين قادراً على فرض شروطه بالقوة.

كما تتضمن المعلومات اتهامات بامتداد السيطرة إلى معامل أدوية ومنشآت صناعية تعود ملكيتها إلى أشخاص لا تربطهم علاقة بالنظام السوري السابق، ما يوسع نطاق القضية من الأراضي الزراعية إلى الأصول الاقتصادية والإنتاجية.

ولا يقتصر الأمر، وفق هذه المعطيات، على فئة طائفية واحدة؛ إذ تشير الشكاوى إلى تضرر مالكين من العلويين والمسيحيين والإسماعيليين والدروز، إلى جانب سوريين آخرين، بما في ذلك مهجّرون من مناطق مختلفة.

وتكشف هذه الاتهامات، إذا ثبتت، عن احتمال نشوء منظومة لإعادة توزيع الأصول الاقتصادية عبر عقود استثمار تُفرض في ظروف غير متكافئة، بما يسمح لأطراف جديدة بالسيطرة على الأراضي والمنشآت، ويحرم المالكين الأصليين من استثمارها أو الاستفادة من عائداتها.

وهنا تبرز مسألة أساسية: هل يجري التعامل مع ممتلكات السوريين باعتبارها حقوقاً خاصة يحميها القانون، أم باعتبارها أصولاً متاحة لإعادة التوزيع كلما غاب أصحابها أو تعذرت عودتهم؟

من الاستيلاء على الأرض إلى التغيير الديموغرافي

لا يمكن فصل ملف الأراضي عن واقع التهجير المستمر وحرمان السكان من العودة إلى مناطقهم. فالأرض ليست مجرد أصل اقتصادي، بل ترتبط بوجود السكان في قراهم، ومصادر رزقهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، وحقهم في استعادة حياتهم بعد سنوات الحرب والنزوح.

وعندما تتزامن مغادرة السكان قسراً مع منعهم من العودة، وطرح أراضيهم للاستثمار من دون موافقتهم، واستقرار أشخاص آخرين في مناطقهم، تنشأ مخاوف جدية من أن يؤدي ذلك إلى تغيير طويل الأمد في التركيبة السكانية والاقتصادية للمناطق المتضررة.

ويكتسب هذا الاحتمال خطورة خاصة في القرى التي تعرضت للتهجير على أساس طائفي أو شهدت أعمال عنف وتهديدات، وفق الشهادات الواردة. فحرمان السكان من العودة، بالتوازي مع التصرف بأراضيهم، قد يحول التهجير من حالة مؤقتة إلى واقع يصعب التراجع عنه.

التتريك والنفوذ التركي.. هل تتحول الملكية إلى بوابة للمصالح الإقليمية؟

إلى جانب ملف شركة «اكتفاء»، تبرز تساؤلات أوسع بشأن مستقبل الملكية العقارية في سوريا، ودور النفوذ التركي في إعادة تشكيل المصالح الاقتصادية داخل البلاد.

فالتتريك في هذا السياق لا يتعلق باللغة أو الرموز وحدها، بل بالمخاوف من توسع النفوذ التركي في المؤسسات والاقتصاد والعقارات، ومن احتمال تقاطع المصالح الإقليمية مع مصالح شبكات اقتصادية محلية تسعى إلى السيطرة على أراضٍ وممتلكات ذات قيمة استراتيجية أو تجارية.

وتثير العلاقة بين السلطات الاقتصادية والإدارية في دمشق والجهات الإقليمية المؤثرة تساؤلات حول المستفيدين النهائيين من عمليات الاستثمار، والجهات التي تمولها، وطبيعة العقود المبرمة، وما إذا كانت هذه العمليات تتيح انتقال السيطرة الفعلية على الأراضي إلى أطراف مرتبطة بمصالح خارجية.

وتزداد هذه المخاوف عندما تتزامن التحركات الاقتصادية مع استمرار تهجير السكان، وتقييد عودتهم، وطرح ممتلكاتهم للاستثمار من دون موافقتهم. ففي مثل هذه الظروف، قد تتحول الأراضي إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ، بما يتيح لشبكات اقتصادية جديدة تحقيق الأرباح وترسيخ مواقعها على حساب أصحاب الحقوق الأصليين.

كما أن اتساع السيطرة على الأراضي الزراعية والمنشآت الصناعية قد يمنح المستفيدين الجدد نفوذاً يتجاوز العقار نفسه، ليشمل الإنتاج الزراعي وسلاسل التوريد والأسواق وفرص العمل، بما يغيّر موازين القوة الاقتصادية في المناطق المستهدفة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يجري إنشاء منظومة استثمارية تخدم التنمية وحقوق المالكين، أم أن غياب أصحاب الممتلكات يُستغل لإعادة توزيع الثروة وتوسيع نفوذ شبكات اقتصادية محلية وإقليمية؟

سجلات الوقف العثماني.. ملف آخر يفتح باب النزاع على الملكية

تتصل المخاوف بشأن مستقبل الملكية العقارية أيضاً بالجدل الذي أثاره طلب وزارة الأوقاف التابعة لسلطات دمشق المؤقتة الحصول على سجلات الوقف العثماني من رئاسة الشؤون الدينية التركية، والمتعلقة بمدن دمشق وحلب وحماة، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

وبحسب التصريحات المنقولة، بررت الوزارة طلب السجلات بالحاجة إلى وثائق تاريخية تتعلق بالعقارات الوقفية، بهدف تثبيت صفتها الوقفية وتنظيم السجلات المرتبطة بها. وأشارت إلى امتلاك الأوقاف عدداً كبيراً من العقارات المسجلة باسمها، بما في ذلك أجزاء من الأسواق القديمة في دمشق، مثل سوق الحميدية ومدحت باشا والبزورية والمناخلية وباب سريجة، إضافة إلى ممتلكات في مدن سورية أخرى.

ويطرح هذا المسار تساؤلات قانونية بشأن كيفية التعامل مع الوثائق التاريخية في ظل وجود سجلات عقارية سورية حديثة، وحقوق ملكية انتقلت عبر عقود من البيع والشراء والإرث.

كما يثير الاعتماد على سجلات خارجية تساؤلات بشأن دور المؤسسات التركية في هذا الملف، ومدى اقتصار التعاون على تبادل الوثائق التاريخية، أو ارتباطه بمصالح أوسع في العقارات والاقتصاد السوري.

فهل أصبحت أملاك السوريين، من الأراضي الزراعية إلى المصانع والأسواق التاريخية، ساحة لإعادة توزيع الثروة والنفوذ في مرحلة ما بعد النظام السابق؟

الإجابة لا تكمن في تصريحات الشركات عن الاستثمار المؤقت، بل في الوثائق والعقود، وفي قدرة أصحاب الأملاك على العودة إلى ممتلكاتهم واستعادتها فعلياً. فحين يُمنع المالك من العودة، وتُدار أرضه من دونه، وتُمنح عائداتها لجهات أخرى، يصبح من الضروري التحقق مما إذا كانت الإجراءات تحمي الملكية أم تنتج واقعاً جديداً على حساب أصحابها.

وفي بلد دفع سكانه أثماناً باهظة من التهجير والخسارة، لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار أو الاستثمار بمعزل عن حقوق المالكين، ولا عن تنمية اقتصادية مستدامة تقوم على إقصاء أصحاب الأرض عن أرضهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى