
تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حملات التحريض الإعلامي والسياسي من قبل تنظيم سلطة الجولاني، تمثّل أبرزها في ما يجري تداوله بشأن التحضير لهجوم وشيك على مدينتي دير حافر ومسكنة.
أولاً: التحريض الإعلامي وصرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية
إن ما يُروَّج عن هجوم مرتقب يندرج في إطار التحريض المتعمّد ومحاولة صرف الأنظار عن المشكلات البنيوية العميقة التي تعيشها سوريا، سواء على الصعيدين المعيشي والاقتصادي، كما تهدف هذه الحملات إلى جرّ قوات سوريا الديمقراطية إلى مواجهة عسكرية لا تخدم سوى الأطراف الساعية إلى خلط الأوراق وإعادة إنتاج مناخ الفوضى وعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات الميدانية أنه لم يتم رصد أي تحشيدات أو استعدادات عسكرية لقسد على خطوط الجبهات في دير حافر ومسكنة، ما ينسف عملياً الأساس الذي تقوم عليه هذه المزاعم.
ثانياً: الفارق الجوهري بين الواقعين الميدانيين
تُظهر المقارنة بين الوضع في دير حافر ومسكنة وبين ما عاشته أحياء الشيخ مقصود والأشرفية قدراً كبيراً من التضليل. فالأخيران كانا يخضعان آنذاك لحالة حصار كامل وواقع أمني وعسكري استثنائي، تميّز بظروف مختلفة جذرياً عمّا هو قائم اليوم في المناطق التي يجري الحديث عنها.
ثالثاً: موقف قوات سوريا الديمقراطية
تؤكد قوات سوريا الديمقراطية، من خلال سلوكها السياسي والميداني، أنها لم تعلن الحرب ولم تُبدِ أي مؤشرات على استعدادات هجومية، بل تواصل التزامها بسياسة ضبط النفس وتغليب منطق الاستقرار وتفادي التصعيد.
وفي الوقت نفسه، تشدد قسد على أنها تحتفظ بحقها الكامل والمشروع في الدفاع عن النفس، وأن أي اعتداء سيُواجَه بردّ يتناسب مع حجمه وطبيعته، في إطار قواعد الدفاع المشروع التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية.
رابعاً: خلفيات الحملات التحريضية وأبعادها السياسية
لا يمكن فصل هذه الحملات عن سياق سياسي أوسع يتمثل في مساعٍ تقودها كل من سلطة الجولاني وتركيا تهدف إلى نسف اتفاقية العاشر من آذار، التي شكّلت محطة مفصلية في مسار التفاهمات السياسية والأمنية في المنطقة.
وتسعى هذه الأطراف، عبر خلق أجواء توتر مصطنعة، إلى تقويض أسس الاستقرار النسبي الذي أفرزته تلك التفاهمات، وإعادة فتح الباب أمام خيارات عسكرية من شأنها إطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المدنيين.
إن تضخيم الحديث عن هجوم محتمل على دير حافر ومسكنة لا يعكس واقعاً ميدانياً قائماً، بقدر ما يعكس محاولة مدروسة لإدارة الأزمة عبر افتعال أزمات جديدة. وفي ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على استعدادات عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، يتضح أن الهدف الأساس من هذه الحملات هو خلط المشهد السياسي والأمني، وضرب فرص الاستقرار، وتمهيد الأرضية لتقويض التفاهمات القائمة، وعلى رأسها اتفاقية العاشر من آذار.




