
لا يمكن مقاربة التضحيات التي قدّمها المدافعون والمدافعات عن روجآفا بوصفها أحداثًا ظرفية أو ردود فعل آنية فرضتها تطورات ميدانية عابرة. فهذه التضحيات تنتمي، في جوهرها، إلى سياق فكري وسياسي أوسع، تشكّل ضمن مدرسة القائد عبدالله أوجلان باعتبارها مرجعية نظرية وأخلاقية أسهمت في بلورة مشروع تحرري متكامل.
لقد أدّت هذه المدرسة دورًا محوريًا في إعادة تعريف مفاهيم الدفاع، والمقاومة، والقيادة، حيث لم يُنظر إلى العمل العسكري كغاية بحدّ ذاته، بل كأداة لحماية المجتمع والدفاع عن القيم الإنسانية الأساسية، وفي مقدمتها الحرية، والعدالة الاجتماعية، وتحرير المرأة.
ومن هذا المنطلق، تبلورت القيادة العسكرية والسياسية في روجآفا ضمن إطار فكري واحد، يقوم على الربط البنيوي بين المشروع السياسي والممارسة الميدانية.
وعليه، فإن التضحيات التي قُدّمت لم تكن نتاج اندفاع عاطفي أو حسابات تكتيكية قصيرة الأمد، بل جاءت نتيجة خيار واعٍ نابع من إدراك عميق لطبيعة الصراع، ولأهداف المشروع التحرري الذي يسعى إلى تجاوز أنماط الدولة السلطوية وإعادة بناء المجتمع على أسس ديمقراطية تشاركية. إن الدم الذي أريق في هذا السياق لا يمكن فصله عن هذا الوعي الجمعي، ولا عن الرؤية التي وضعت الإنسان في مركز العملية السياسية.
إن تجاهل هذا البعد الفكري عند تحليل تجربة روجآفا يؤدّي إلى قراءة قاصرة للتضحيات، ويُفرغها من مضمونها السياسي والأخلاقي. فهذه التضحيات تمثّل، في حقيقتها، تجسيدًا عمليًا لمرجعية فكرية محددة، اختارت المقاومة بوصفها فعلًا استراتيجيًا واعيًا ضمن مسار تحرري طويل الأمد، لا مجرّد ردّ فعل على ظروف طارئة.




