
لم تكن عبارة «لسنا ضد الكرد» يوماً جملة بريئة أو عابرة في تاريخ المنطقة؛ كانت، في كثير من الأحيان، الغطاء الذي سبق المجازر ومهّد لها. في كل مرة رُفعت فيها هذه العبارة، كان الدم الكردي يُسفك في مكانٍ ما، وكانت قرى تُحرق، وعائلات تُدفن تحت التراب أو تُهجّر من جذورها. لم تكن المشكلة يوماً مع “مخربين” أو “تنظيمات” كما ادّعت الأنظمة، بل مع كل كردي تجرأ أن يرفع صوته، أن يطالب بلغته، أن يقول “لا” للقتل، “لا” للإقصاء، “لا” لتحويل هويته إلى تهمة.
هذه الجملة لم تكن نفياً للكراهية، بل محاولة لتجميلها. فحين يُعاقَب شعبٌ بأكمله لأنه يطالب بحقوقه، وحين يُختزل وجوده في خطرٍ أمني دائم، يصبح واضحاً أن الاستهداف يتجاوز السياسة إلى الهوية ذاتها. والتاريخ القريب والبعيد يشهد أن من قالوا «لسنا ضد الكرد» كانوا، في الواقع، ضد كل كردي يرفض الصمت على المجازر ويتمسك بحقه في الحياة والكرامة والاعتراف.
كان صدام حسين يردد دائماً: «نحن لا نحارب الكرد، بل نحارب المخربين». لكن حملات الأنفال لم تستهدف حزباً بعينه، بل استهدفت قرى بأكملها، عائلات، أطفالاً ونساءً وشيوخاً. دُمّرت آلاف القرى، حيث امتلأت المقابر الجماعية. لم يكن الهدف تنظيماً مسلحاً فقط، بل اقتلاع هويةٍ من جذورها، وتحويل شعبٍ كامل إلى قضية أمنية.
الخطاب ذاته تكرر في تركيا: «نحن لا نحارب الكرد، بل نحارب حزب العمال الكردستاني». لكن الوقائع على الأرض تثبت عكس ذلك؛ فحظر اللغة، تغيير أسماء القرى، سياسات التهجير، وحملات عسكرية طالت مناطق مدنية بأكملها أدت لحرق آلاف القرى وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، لم تكن موجّهة ضد تنظيم مسلح فحسب، بل ضد هوية الشعب الكردي برمته. حزب العمال الكردستاني، منذ تأسيسه، كان ولا زال يسعى بالأساس لنيل الحقوق المشروعة للشعب الكردي: الاعتراف بالهوية، التعليم بلغتهم، المشاركة السياسية، والحياة في إطار يحفظ كرامتهم. حين تُمنع اللغة ويُجرّم الانتماء الثقافي، يصبح الصراع أعمق من مواجهة تنظيم مسلح؛ إنه صراع على الوجود والاعتراف، على حق شعب كامل في أن يكون له صوت وحياة ومستقبل ضمن وطنه.
وفي إيران، تكررت المعادلة نفسها: توصيف أي حراك كردي باعتباره تهديداً أمنياً أو انفصالياً، مقابل سياسات تضييق سياسي وثقافي طويلة الأمد. أما في سوريا، فمنذ عقود كان الخطاب الرسمي يقول إن الدولة لا تميّز بين مواطنيها، بينما حُرم عشرات الآلاف من الجنسية، ومُنعت اللغة الكردية في المدارس، وتعرّضت المناطق الكردية لتهميش ممنهج. ومع وصول سلطة الجولاني إلى سدة الحكم، أقدمت هذه السلطة على ارتكاب المجازر بحق الكرد وهجّرتهم من منازلهم، ففي المحصلة تغيّرت الوجوه وتبدلت السلطات، لكن الجملة بقيت نفسها: «لسنا ضد الكرد».
المفارقة أن هذا الخطاب يتكرر دائماً بصيغة دفاعية، كأنه اعتراف غير مباشر بوجود مشكلة. فلو لم تكن هناك سياسات إقصاء أو إنكار، لما احتاجت الأنظمة إلى تكرار نفيها. عندما يُختزل شعبٌ كامل في تهمة، أو يُربط اسمه تلقائياً بالأمن والتهديد، يتحول وجوده ذاته إلى عبء في نظر السلطة.
القضية، في جوهرها، ليست صراعاً مع حزب أو تنظيم فحسب، بل صراع على الاعتراف بالهوية والحقوق المتساوية. فالشعب الكردي، أينما وُجد، طالب بلغته، بثقافته، وبإدارة شؤونه ضمن إطار يحفظ كرامته. وعندما يُواجَه هذا المطلب دائماً بعقلية أمنية ويُرتكب بحقه المجازر، يصبح من الصعب تصديق أن المشكلة محصورة في «تنظيم» دون غيره.
إن تكرار الجملة نفسها عبر عقود وحدود مختلفة يكشف نمطاً سياسياً متشابهاً: نفي العداء في الخطاب، وممارسات تقود عملياً إلى الإقصاء أو القمع. ولهذا، فإن كثيرين يرون أن المسألة أعمق من خلاف سياسي عابر؛ إنها مسألة اعتراف بوجود شعب وحقه في أن يكون شريكاً كاملاً في وطنه، لا ملفاً أمنياً دائماً.
رغم كل المجازر، رغم كل محاولات الطمس والإقصاء، يظل الشعب الكردي حيّاً، حاضراً في أرضه، صامداً في هويته، متمسكاً بلغته وثقافته وحقوقه المشروعة. لم تُكسر إرادته، ولن تُكسر. فكل تهجير، وكل قمع، وكل محاولة لطمس وجوده لم تفعل إلا أن تزيده عزماً وإصراراً على الصمود. الكرد، بقواتهم وبشعبهم، سيواصلون الدفاع عن أرضهم، عن حقوقهم، وعن مستقبلهم، وسيثبت التاريخ أن إرادة شعبٍ حيّ، متحد، ومصمم على الحرية، أقوى من كل محاولات القمع والإنكار.




