
في الثامن من أيلول 2024، وقبل سقوط نظام بشار الأسد المجرم بنحو ثلاثة أشهر، نشرت قناة العربية على حسابها الرسمي منشوراً وصفت فيه أحمد الشرع، المعروف آنذاك بأبي محمد الجولاني، بـ«الإرهابي»، متحدثة عن قيادات إخوانية تحتفي به بمناسبة افتتاح معرض للكتاب في إدلب، يضم مؤلفات لداعش ورموز التنظيمات المتطرفة.

لم يكن ذلك توصيفاً عابراً، بل كان جزءاً من خطاب إعلامي تبنّته القناة وقدمته لجمهورها. لكن ما إن سقط نظام الأسد ووصل الجولاني إلى السلطة حتى انقلب المشهد؛ اختفى «الإرهابي» من قاموس التغطية، وحلّت مكانه صفة «الرئيس السوري»، وبدأت مرحلة جديدة من تقديم الرجل بصورة مختلفة تماماً.
لكن منذ متى تُمحى الجرائم بتغيير المناصب؟ ومن قال إن الوصول إلى كرسي الحكم يمنح صاحبه شهادة براءة من ماضيه؟
الإرهابي لا يصبح بريئاً لأنه أصبح رئيساً، والجرائم والمجازر لا تختفي بتغيير الاسم أو اللقب أو الموقع السياسي. فمن ارتبط اسمه بجرائم وانتهاكات قبل تسلّم السلطة، وتلاحقه وقائع بارتكاب انتهاكات ومجازر بعد وصوله إليها، لا يمكن أن يتحول فجأة إلى شخصية فوق المساءلة، ولا أن يُعاد تقديمه إعلامياً وكأن صفحة الماضي قد طُويت.
والأكثر إثارة للتساؤل أن العربية لم تكتفِ بتغيير طريقة التوصيف، بل بات خطابها يطرح سؤالاً عن مصير كل ما كانت تقوله بالأمس. أين ذهبت تقاريرها؟ أين اختفت التحذيرات والأسئلة التي كانت تثيرها حول الجولاني؟ وأين موقفها من الجرائم والانتهاكات التي شهدتها سوريا بعد وصوله إلى الحكم؟
هل أصبحت الوقائع أقل أهمية بعدما أصبح الرجل صاحب سلطة؟ وهل باتت الجرائم قابلة للتجاهل عندما تتغير الحسابات السياسية؟
ما حدث يضع العربية أمام تناقض لا يمكن إخفاؤه بتغيير الألقاب. فالمؤسسة التي كانت تصف الرجل بالإرهابي مطالبة اليوم، قبل غيرها، بأن تفسّر لجمهورها هذا التحول، وأن توضح ما إذا كانت قد راجعت موقفها بناءً على معلومات جديدة، أم أن خطابها تبدّل مع تبدّل موقع الرجل في معادلة السلطة.
هذه ليست وظيفة الإعلام. الإعلام ليس مغسلة سياسية لتبييض السجلات، ولا ماكينة لإعادة تأهيل الحكام، ولا منصة لتلميع من كانوا بالأمس إرهابيين، لمجرد أنهم أصبحوا اليوم أصحاب القرار.
الإعلام الحقيقي لا ينتقي ضحايا الجرائم وفق هوية مرتكبيها أو مصالح الجهات الداعمة لها. وظيفته أن يقول ما يعرفه، وأن يسأل عمّا يحاول أصحاب السلطة إسكاته، وأن يبقي ملفات الضحايا مفتوحة حتى تتحقق العدالة.
أما أن تصف العربية الجولاني بالإرهابي بالأمس، ثم تقدّمه اليوم رئيساً من دون أن تضع ماضيه وحاضره أمام المساءلة، فذلك يطرح سؤالاً أكبر من مجرد ازدواجية في المصطلحات: هل كانت العربية تمارس الصحافة بالأمس، أم تمارسها اليوم، أم أن ما يحكم خطابها في الحالتين هو اتجاه الرياح السياسية؟
الألقاب تتغير، والكراسي تتبدل، لكن الجرائم لا تمحى، ودماء الضحايا لا تصبح أقل قيمة عندما يتغير موقع مرتكبيها. والتاريخ لا ينسى ما تقوله الشاشات، حتى عندما تتظاهر تلك الشاشات بأنها نسيت.




