الأخبار

دمشق تفكّك البنية العشائرية في الحسكة: إسقاط المشيخات التاريخية وفرض ولاءات جديدة

تشهد محافظة الحسكة تصعيدًا لافتًا في طبيعة تدخل سلطة دمشق المؤقتة في الشأن العشائري، بعد انتزاع مشيخة قبيلة شمّر من الشيخ مانع حميدي الجربا، على خلفية خلافات مرتبطة بتقاسم آبار النفط. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها غير مسبوقة، أثارت رفضًا واسعًا بين شيوخ ووجهاء العشيرة، الذين اعتبروها تدخلًا مباشرًا في البنية التقليدية ومحاولة لفرض واقع جديد بالقوة.

مصادر محلية تشير إلى أن ما يجري لا يقتصر على حادثة منفردة، بل يندرج ضمن مسار ممنهج تقوم به سلطة دمشق المؤقتة ويهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة العشائرية في المنطقة. ويقوم هذا المسار على إضعاف الزعامات التاريخية واستبدالها بشخصيات موالية لها، بما يضمن التحكم بالقرار العشائري وتوجيهه بما يخدم مصالح السلطة، خاصة في مناطق غنية بالموارد كآبار النفط.

وتفيد المعطيات بأن قبيلة شمّر قد تكون بداية لسلسلة خطوات مشابهة، مع تصاعد الحديث عن تحركات قد تطال قبائل الجبور والطي، في إطار سياسة تستهدف تفكيك مراكز النفوذ التقليدية وإعادة تركيبها وفق معايير الولاء السياسي.

وفي السياق ذاته، تتزايد المؤشرات على مساعٍ لانتزاع مشيخة قبيلة الجبور من “آل المسلط” ومنحها لـ “آل حماد الأسعد”، في خطوة تعكس إصرارًا على إعادة توزيع النفوذ داخل العشائر بعيدًا عن الأعراف المتوارثة، ما يرفع احتمالات الاحتكاك الداخلي.

شرعية هشة وفرص محدودة

في موازاة ذلك، يطرح تنصيب “شيوخ” جدد بلا قاعدة شعبية تحديًا كبيرًا أمام قدرتهم على الاستمرار. فالبنية العشائرية لا تعترف بالشرعية المفروضة، بل تستند إلى القبول الاجتماعي والتاريخ العائلي، وهو ما تفتقر إليه معظم الشخصيات التي يجري الدفع بها.

ورغم ما قد توفره السلطة من دعم سياسي وأمني، فإن هذا الغطاء يمنح حضورًا شكليًا فقط، سرعان ما يتآكل عند أول اختبار داخل المجتمع العشائري. وتشير التقديرات إلى أن هؤلاء سيواجهون عزلة واضحة، مع رفض صامت أو علني من أبناء القبائل، قد يتطور إلى انقسامات وصراعات على الزعامة.

كما أن غياب الامتداد الاجتماعي يحرم هؤلاء من أداء الدور التقليدي للمشيخة، سواء في حل النزاعات أو تمثيل أبناء العشيرة، ما يجعل موقعهم فارغًا من مضمونه الحقيقي، ومقيدًا بالكامل بإرادة الجهة التي فرضته.

تعكس هذه التطورات محاولة لإعادة هندسة البنية العشائرية في الحسكة عبر أدوات سياسية، هدفها إحكام السيطرة على القرار والموارد، لا سيما النفط. إلا أن فرض قيادات بلا شرعية اجتماعية يحمل في طياته مخاطر كبيرة، أبرزها تفكيك النسيج العشائري وإشعال صراعات داخلية، ما يجعل هذه السياسة أقرب إلى وصفة لعدم الاستقرار أكثر من كونها مسارًا للضبط أو السيطرة طويلة الأمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى