ادلبالأخبار

من “أبو بلال قدس” إلى معاون وزير الداخلية.. كيف عاد شبح الماضي إلى كنيسة اليعقوبية؟

من كنيسة اليعقوبية في ريف إدلب الغربي، ظهر اللواء عبد القادر الطحان، المعروف باسم “أبو بلال قدس”، وهو يرفع العلم السوري خلال استقبال السفير الفاتيكاني لدى سوريا. مشهد أرادت منه سلطة دمشق المؤقتة (هيئة تحرير الشام الإرهابية) تقديم صورة رسمية لرجل الدولة والمسؤول الأمني الرفيع، لكن الصورة نفسها أعادت إلى الأذهان أسئلة ثقيلة عن الماضي الذي يلاحق صاحبه أينما ظهر.

فالطحان، الذي يشغل اليوم منصب نائب وزير الداخلية، هو ذاته “أبو بلال قدس” الذي برز اسمه خلال سنوات الحرب كأحد أبرز القادة العسكريين في شمال غربي سوريا قبل انتقاله إلى مواقع أمنية وسيادية متقدمة.

وبينما يُقدَّم اليوم بوصفه أحد وجوه الدولة الجديدة، لا تزال روايات وشهادات متداولة بين أبناء إدلب وريفها تتحدث عن مرحلة دامية ارتبط فيها اسم “أبو بلال قدس” بمجموعات نفّذت عمليات خطف استهدفت صاغة ذهب وصرافين وأطباء وتجاراً وأشخاصاً ميسورين، بينهم مسيحيون من الجميلية واليعقوبية ومدينة إدلب، مقابل فديات مالية ضخمة.

وبحسب مصادر محلية من إدلب، فإن الخاطفين لم يكونوا مجرد عصابات تبحث عن المال، بل جزءاً من منظومة نفوذ وسلاح كانت تعمل تحت غطاء الأمر الواقع، حيث جرى الحديث لسنوات عن تقاسم أموال الفديات بين منفذين وجهات نافذة كانت تنظر إلى تلك الأموال باعتبارها “غنائم” مشروعة، فيما بقيت عائلات الضحايا وحدها تدفع الثمن.

اليوم، وبعد سنوات من تلك المرحلة، يقف الرجل ذاته داخل كنيسة كان أبناء طوائفها من بين مَن تعرضوا للخطف والابتزاز في تلك الحقبة. وبين المشهدين مسافة هائلة من الأسئلة التي لم تحصل على إجابات: من اختطف؟ من استفاد؟ أين ذهبت الأموال؟ ومن سيحاسب المسؤولين؟

فكيف يشعر أهالي من دفعوا مدخراتهم وأملاكهم لإنقاذ أبنائهم من الخطف عندما يشاهدون اليوم أحد أبرز الأسماء المثيرة للجدل يتصدر المشهد الرسمي؟ وكيف تنظر عائلات الضحايا إلى صور الاحتفالات والبروتوكولات والمراسم الرسمية بينما لا تزال أسئلة الماضي بلا إجابات؟

من كان يقف خلف شبكات الخطف التي أرعبت الأهالي؟

كيف كانت تدار عمليات الاحتجاز وجمع الفديات؟

أين ذهبت ملايين الدولارات التي دُفعت مقابل إطلاق سراح المختطفين؟

ومن هي الجهات التي كانت توفر الحماية والنفوذ لتلك الشبكات؟

بالنسبة لكثير من السوريين، لا تتعلق القضية بصورة داخل كنيسة أو برفع علم الدولة، بل بمسار كامل انتقل فيه قادة فصائل وتشكيلات أمنية من ساحات الحرب إلى أعلى مواقع السلطة، بينما بقيت ملفات حساسة من سنوات الصراع بعيدة عن المساءلة العلنية.

فالصور الرسمية تستطيع أن تصنع مشهداً إعلامياً ليوم واحد، لكنها لا تستطيع أن تمحو ذاكرة مدينة كاملة، ولا أن تُسكت أسئلة ما زالت تتردد في أذهان الضحايا وذويهم.

ولهذا، فإن المشهد الذي أرادت له السلطات أن يكون رمزاً للمصالحة والانفتاح، تحول لدى كثيرين إلى تذكير مؤلم بمرحلة لم تُكشف كل تفاصيلها بعد، وبسؤال لم يحصل على جواب حتى الآن:

هل فُتحت ملفات الماضي فعلاً، أم أن بعضها أُغلق بالصمت فيما انتقل أصحاب النفوذ إلى مواقع القرار والحكم؟

إن القضية لم تعد تتعلق بصورة بروتوكولية أو برفع علم داخل كنيسة، بل بسؤال أكبر يتعلق بالعدالة والذاكرة والمحاسبة. فالدول لا تُبنى فقط بالمراسم واللقاءات الرسمية، بل أيضاً بكشف حقيقة الانتهاكات والجرائم التي شهدتها سنوات الفوضى ومحاسبة المتورطين فيها أياً كانت مناصبهم الحالية.

وقد تنجح السلطة في إعادة تقديم الأشخاص بألقاب جديدة ورتب أعلى، لكن ذاكرة الضحايا لا تمحوها المراسيم، ولا تمحوها الصور التذكارية، ولا تمحوها المناصب. وما دام الماضي بلا مساءلة، فإن كل ظهور رسمي سيتحول إلى تذكير بأسئلة لم تجد جواباً بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى