
دمشق – لم يسقط نظام الاعتقال بسقوط نظام بشار الأسد، وفق تحقيق نشرته مجلة «ذا ديل» الأمريكية (The Dial)، إذ يكشف التحقيق أن جزءاً كبيراً من منظومة السجون والفروع الأمنية التي شكّلت لعقود إحدى أدوات القمع الرئيسية في سوريا لا يزال قائماً ويُستخدم بعد تغيير السلطة.
ويشير التحقيق إلى أن عشرات مواقع الاحتجاز التابعة للنظام السابق أُعيد استخدامها من قبل السلطات الانتقالية الجديدة، بالتزامن مع توثيق حالات اعتقال واحتجاز يقول التحقيق إنها جرت من دون إجراءات قانونية واضحة أو اتهامات محددة، ما يثير تساؤلات حول مدى تفكيك البنية الأمنية التي ورثتها السلطة الجديدة، وما إذا كان التغيير قد طال المنظومة نفسها أم اقتصر على الجهات التي تديرها.
اعتقال على الحدود.. وأسئلة بلا تهمة
يعرض التحقيق واقعة اعتقال عند نقطة المصنع الحدودية بين سوريا ولبنان في 24 سبتمبر/أيلول 2025، حيث جرى احتجاز صحفي وباحث داخل زنزانة صغيرة من دون إبلاغه بسبب واضح لاعتقاله أو توجيه تهمة محددة إليه.
وبحسب التحقيق، تباينت الأسئلة والاتهامات خلال فترة الاحتجاز، ولم يتضح للمعتقل الأساس القانوني للإجراء المتخذ بحقه، قبل أن يُفرج عنه في اليوم التالي.
ويشير التحقيق إلى أن الإفراج جاء نتيجة ضغوط شعبية وإعلامية، وليس نتيجة إجراءات قضائية.
كما أشار إلى أن وزارة الداخلية السورية أعلنت لاحقاً العثور بحوزته على «وثائق رسمية»، وهي رواية ينفيها، مؤكداً أنه لم يكن يحمل أي وثائق أو هاتفاً محمولاً، وإنما حقيبة صغيرة تحتوي على ملابسه.
ويقدم التحقيق هذه الواقعة باعتبارها نموذجاً لما يصفه باستمرار نمط الاعتقال القائم على الاحتجاز أولاً، ثم البحث عن مبررات أو صياغة رواية لاحقة لتفسيره.
104 مواقع احتجاز.. و52 منها أعيد استخدامها
وبحسب التحقيق، حددت عمليات التوثيق 104 مواقع احتجاز رسمية كانت مستخدمة في عهد النظام السابق، شملت سجوناً مركزية وفروعاً أمنية ومراكز للتحقيق.
ومن بين هذه المواقع، تم التأكد من إعادة استخدام 52 منشأة، كلياً أو جزئياً، من قبل الحكومة الانتقالية الجديدة.
كما شملت عمليات التوثيق أكثر من 70 سجناً وفرعاً أمنياً خلال عام 2025، في محاولة لرصد مصير هذه المنشآت بعد سقوط النظام.
ويبرز التحقيق سجن صيدنايا العسكري وسجن تدمر العسكري كحالتين مختلفتين؛ إذ تعرض صيدنايا للنهب وأُغلق جزئياً، فيما كان سجن تدمر قد تعرض للتدمير الجزئي في مراحل سابقة.
منظومة أمنية كاملة خلف القضبان
لم تكن السجون في عهد الأسد منشآت منفصلة عن أجهزة الأمن، بل جزءاً من منظومة متكاملة ضمت أربعة أجهزة استخبارات رئيسية: المخابرات العسكرية، والمخابرات الجوية، والمخابرات العامة، والأمن السياسي.
كما لعبت الشرطة العسكرية وإدارة الخدمات الطبية أدواراً في إدارة السجون، ونقل المعتقلين، وحفظ سجلاتهم، والتعامل مع جثامين المتوفين.
وكان مكتب الأمن الوطني يتولى تنسيق عمل الأجهزة الأمنية، بما في ذلك الإجراءات المرتبطة بالمعتقلين ونقلهم إلى السجون العسكرية.
ويشير التحقيق إلى أن إرث هذه المنظومة لا يقتصر على الأبنية، بل يمتد إلى آلاف الملفات والسجلات والأدلة المتعلقة بالمعتقلين والمختفين قسراً.
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، كان أكثر من 112 ألف شخص مسجلين كمفقودين حتى نهاية عام 2024، وكانت الغالبية قد اختفت بعد اعتقالها من قبل أجهزة النظام السابق.
صيدنايا.. حين ضاعت الأدلة مع السجن
بعد سقوط النظام، تدفق آلاف السوريين إلى سجن صيدنايا بحثاً عن أي أثر يمكن أن يقود إلى مصير أقاربهم المفقودين.
لكن الموقع سرعان ما تحول إلى مسرح للفوضى والنهب والحفر العشوائي، بحسب التحقيق، ما أدى إلى إتلاف أجزاء من المنشأة وضياع أدلة مادية كان يمكن أن تكون حاسمة في توثيق الجرائم وملاحقة المسؤولين عنها.
وتحدث التحقيق عن اختفاء خوادم وأجهزة تخزين كانت تحتوي على تسجيلات كاميرات المراقبة، إلى جانب أجهزة كمبيوتر وملفات من الأرشيف الأمني للسجن.
ولا يزال مصير هذه المواد مجهولاً، في حين لم تعلن جهة رسمية، وفق التحقيق، عن استعادتها أو الكشف عما كانت تحتويه.
ويطرح ذلك سؤالاً بالغ الأهمية: ماذا حدث للذاكرة الرقمية لسجن كان أحد أبرز رموز منظومة الاعتقال والتعذيب في سوريا؟
وثائق النظام.. من الأدلة إلى الحطام
لم تقتصر خسارة الأدلة على الأجهزة الإلكترونية.
فقد تُركت كميات كبيرة من الوثائق في العراء، بينما أظهرت صور تداولتها وسائل الإعلام أشخاصاً يحرقون أكواماً من الأوراق داخل السجن وفي محيطه، أحياناً بهدف التدفئة، من دون إدراك لقيمتها التوثيقية والقضائية.
ويعتبر التحقيق أن ضياع هذه الوثائق يمثل خسارة كبيرة لجهود توثيق الانتهاكات، إذ يمكن أن تكون قد تضمنت معلومات عن المعتقلين، ومسارات نقلهم، والعمليات الأمنية التي جرت داخل السجن.
كما ظل صيدنايا مهجوراً لأسابيع بعد سقوط النظام، ما سمح، وفق التحقيق، بعمليات نهب واسعة شملت الأثاث وإطارات الأبواب والنوافذ والكابلات والكاميرات والمعادن.
وبعد نحو أسبوعين أو ثلاثة، طالب فريق التوثيق الجهات الأمنية بحماية السجن باعتباره مسرحاً محتملاً لجرائم، ليتم لاحقاً نشر حراس عند المدخل وإغلاق أجزاء من الموقع.
لكن التحقيق يرى أن الإجراءات جاءت متأخرة، وأن جزءاً مهماً من الأدلة كان قد اختفى أو تعرض للتلف بالفعل.
فرع الخطيب.. السجن القديم يستقبل معتقلين جدد
ويقدم التحقيق مثالاً أكثر مباشرة على استمرار استخدام منشآت النظام السابق من خلال فرع الخطيب، المعروف باسم الفرع 251 في دمشق.
وكان صاحب التحقيق قد اعتُقل في هذا الفرع عام 2011 بسبب عمله الصحفي، ولذلك اختاره ليكون أول موقع يزوره بعد عودته إلى سوريا.
لكن المفاجأة كانت أن الفرع لم يكن مهجوراً، بل لا يزال يعمل.
وخلال زيارة إلى الطابق السفلي، وصل إلى الزنزانة التي سبق أن احتُجز فيها، ليجد معتقلين جدد يجلسون على الأرض في المكان نفسه الذي كان يجلس فيه قبل سنوات.
وبحسب التحقيق، بدت ظروف الاحتجاز متشابهة إلى حد كبير مع تلك التي عاشها المعتقل السابق.
وفي ممرات الفرع، كانت صناديق وأوراق ووثائق مبعثرة، بينها بطاقات هوية لموظفين سابقين.
ولم يكن واضحاً ما إذا كانت هذه المواد معدة للحفظ أو النقل أو الإتلاف، كما لم تظهر، وفق التحقيق، خطة واضحة للتعامل معها.
السجون تتغير أسماؤها.. أم أن المنظومة باقية؟
تتجاوز القضية، وفق التحقيق، مسألة استمرار استخدام مبانٍ كانت تابعة للنظام السابق، لتصل إلى سؤال أعمق يتعلق بمصير البنية الأمنية التي قامت عليها منظومة الاعتقال في سوريا.
فإعادة استخدام السجون والفروع القديمة لا تعني بالضرورة استمرار الممارسات السابقة، لكنها تثير، بحسب التحقيق، مخاوف من إعادة إنتاجها إذا لم ترافق عملية انتقال السلطة مراجعة جذرية للبنية الأمنية وآليات الاعتقال والاحتجاز.
ويحذر التحقيق من أن تغيير الحكومات والأجهزة والأسماء لا يكفي وحده لإنهاء منظومة اعتقال متجذرة لعقود، خصوصاً إذا بقيت المنشآت نفسها، والأرشيفات نفسها، وآليات الاحتجاز نفسها من دون إصلاح ومساءلة.
اختبار حقيقي للسلطة الجديدة
ويخلص التحقيق إلى أن التعامل مع إرث السجون السورية لا يمكن أن يقتصر على إغلاق بعض المنشآت أو إعادة استخدامها، بل يتطلب حماية مواقع الاحتجاز السابقة، والحفاظ على الوثائق والأرشيفات، وتوثيق شهادات المعتقلين والناجين، وضمان آليات مستقلة للتحقيق والمساءلة.
فالسؤال المطروح، وفق ما يثيره التحقيق، ليس فقط مَن يدير السجون اليوم؟، بل هل تغيرت منظومة الاعتقال نفسها؟
وفي بلد يحمل إرثاً ثقيلاً من السجون السرية والاختفاء القسري والتعذيب، فإن بقاء المنشآت القديمة قيد الاستخدام، مع استمرار حالات احتجاز غامضة وضياع الأدلة، يجعل تفكيك منظومة الاعتقال أحد أبرز الاختبارات أمام السلطة الجديدة.
فإذا كانت السجون القديمة لا تزال تستقبل معتقلين جدد، فإن سقوط النظام الذي بناها لا يعني بالضرورة سقوط المنظومة التي قامت عليها.




