إعادة تدوير الشخصيات والشبكات القديمة
تشير معطيات متقاطعة من محافظة الحسكة إلى تصاعد جهود إعادة تنظيم واستقطاب شخصيات وشبكات عشائرية سبق أن ارتبطت بالنظام السوري وإيران وتنظيم داعش في مراحل سابقة، إضافة إلى شخصيات وأوساط سياسية مرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) والمجلس الوطني الكردي (ENKS)، مستفيدة من مواقفها المعارضة لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية. ويبدو أن هذه التحركات تتجاوز حدود التواصل العشائري التقليدي، لتأخذ طابعاً سياسياً وأمنياً يهدف إلى بناء مظلة جديدة من التحالفات المحلية القادرة على التأثير في موازين القوى بشمال وشرق سوريا.
وتفيد المعلومات بأن بعض هذه الشخصيات حصل أو قد يحصل مستقبلاً على مواقع عسكرية أو إدارية أو برلمانية، في إطار ترتيبات تهدف إلى ضمان ولائها وإدماجها ضمن شبكات النفوذ الجديدة التي يجري العمل على تشكيلها في المنطقة.
تقاطع المصالح التركية والإيرانية
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع مؤشرات متزايدة حول وجود تقاطعات أو تفاهمات غير معلنة بين تركيا وإيران في بعض الملفات السورية، رغم التنافس القائم بينهما في ملفات إقليمية أخرى. ويثير ذلك تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي يمكن أن تُسند لبعض الشخصيات العشائرية المعاد تدويرها، وإمكانية توظيفها كأدوات ضغط على الكرد ومناطق الإدارة الذاتية ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
اجتماع الشدادي
وفي هذا السياق، توجه وفد من شيوخ ووجهاء عشائر الحسكة إلى مدينة الشدادي، حيث عقد اجتماعاً استمر نحو ثلاث ساعات مع اللجنة السياسية وبعض مسؤولي هيئة تحرير الشام. وسبق الاجتماع تنسيق مباشر مع شيخ عشيرة بني سبعة حسين الحجي، الذي تواصل بدوره مع مسؤول اللجنة السياسية في الحسكة عباس حسين بحكم العلاقة الشخصية التي تجمعهما، فيما تولى أحمد حماد الأسعد مهمة الإعداد والترتيب للاجتماع.
وضم الوفد كلاً من صالح الحمرين شيخ عشيرة اليسار، وزياد فرحان العبد الرحمن شيخ عشيرة طي، وحسين الحجي شيخ عشيرة بني سبعة، ومحمود العاكوب شيخ عشيرة حرب.
مطالب العفو وإعادة الدمج
وبحسب المعلومات، ناقش الاجتماع الأوضاع العامة في محافظة الحسكة، كما طالب المشاركون هيئة تحرير الشام بإصدار عفو عام يشمل جميع عناصر نظام البعث الموجودين في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة بالنظر إلى الخلفيات السياسية للشخصيات المشاركة فيه، إذ تشير المعطيات إلى أن معظم الحاضرين كانوا خلال السنوات الماضية من مؤيدي نظام البعث وإيران، فيما برز أحمد حماد الأسعد بوصفه أحد أبرز منظمي اللقاء والمعروف بارتباطه الوثيق بالاستخبارات التركية.
استراتيجية هيئة تحرير الشام في الأوساط العشائرية
وتشير المصادر إلى أن هيئة تحرير الشام تعمل خلال المرحلة الحالية على توسيع شبكة علاقاتها داخل الأوساط العشائرية العربية، في محاولة لكسب دعمها وتعزيز حضورها السياسي والاجتماعي في المنطقة، بما يتيح لها بناء قنوات تأثير محلية يمكن الاستفادة منها في أي تطورات أو صراعات مستقبلية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن هذا الحراك ينسجم مع توجهات تسعى إلى استثمار النزعات العشائرية والقومية لدى بعض العشائر العربية، وتوظيفها في مواجهة المناطق الكردية. كما يُنظر إلى ملف إعادة دمج الشخصيات والعشائر المرتبطة سابقاً بالنظام السوري وإيران على أنه جزء من حسابات سياسية وإقليمية أوسع، أكثر من كونه استجابة لمطالب عشائرية مستقلة.
لماذا يجري استقطاب هذه الشخصيات؟
كما تثير هذه التحركات تساؤلات حول أسباب إعادة استقطاب شخصيات كانت جزءاً من منظومات النظام السوري أو مرتبطة بالمشروع الإيراني أو حتى بتنظيم داعش خلال مراحل سابقة. ويرى متابعون أن الهدف يتمثل في الاستفادة من البنية العشائرية التقليدية ومن النفوذ الاجتماعي والمحلي الذي ما تزال تتمتع به بعض هذه الشخصيات، بغض النظر عن تاريخها السياسي أو الجهات التي ارتبطت بها سابقاً.
ما وراء الاجتماع
وفي ضوء هذه المعطيات، ينظر مراقبون إلى اجتماع الشدادي باعتباره أكثر من مجرد لقاء عشائري، بل حلقة ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب التحالفات المحلية واستقطاب قوى وشخصيات متباينة الخلفيات تحت مظلة مشتركة عنوانها معارضة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول طبيعة المشروع الجاري العمل عليه، والجهات الإقليمية الداعمة له، وتأثيراته المحتملة على مستقبل الاستقرار والتوازنات السياسية في شمال وشرق سوريا.




