
شبكة دار نيوز الإعلامية ـ مأمون الصفدي
في عقر مؤسسة يفترض أن يكون القانون فيها سيد الموقف، تمكن مسلح من إدخال سلاح ناري إلى القصر العدلي في اللاذقية، والوصول به إلى قاعة محكمة الجنايات، وإطلاق النار، ما أدى إلى مقتل موقوف وإصابة عنصر أمن، قبل أن يفر من المكان.
هذه ليست مجرد ثغرة أمنية عابرة، بل مشهد فاضح لعجز سلطة دمشق عن أداء واحدة من أبسط وظائف أي سلطة تدّعي حكم دولة: فرض الأمن داخل مؤسساتها.
جماعات تحمل إرثاً من الانتهاكات والمجازر.. وتريد أن تحكم بالقانون
سلطة دمشق الحالية لم تصل إلى الحكم من بوابة بناء المؤسسات أو دولة القانون، بل من بيئة تشكل فيها السلاح والعنف والانتهاكات والمجازر بحق المدنيين جزءاً أساسياً من مسارها.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف ستبني هذه السلطة دولة القانون، بل: هل تملك أصلاً الأدوات السياسية والأمنية والثقافة المؤسساتية التي تسمح لها ببناء دولة؟
فمنطق السلاح والمجازر والانتهاكات لا ينتج دولة مؤسسات، ومن اعتاد ارتكاب الانتهاكات والمجازر لا يستطيع فرض القانون بمجرد الجلوس خلف مكاتب الوزارات والمحاكم.
إرث المجازر لا يتحول إلى دولة بمرسوم
ما جرى في الماضي وما قامت به المجموعات التي تحكم دمشق في الحاضر من قتل وخطف وانتهاكات ونهب ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه عند الحديث عن بناء الدولة، لأن الدولة التي تقوم على الخوف والقوة لا تنتج أمناً حقيقياً، والمؤسسات التي تُدار بعقلية الغلبة لا تتحول تلقائياً إلى مؤسسات قانون. والنتيجة ظهرت داخل القصر العدلي نفسه، المسدس دخل.. الرصاص انطلق.. والجاني هرب
تقول الرواية الرسمية إن والدة مطلق النار أدخلت المسدس وسلمته إليه داخل البهو. لكن حتى هذه الرواية تضع سلطة دمشق أمام أسئلة لا يمكن دفنها بتحديد هوية من حمل السلاح إلى الداخل: كيف تجاوز المسدس التفتيش؟ وكيف وصل إلى قاعة الجنايات؟ وأين كانت الحراسة؟ وكيف تمكن الجاني من الفرار بعد ارتكاب الجريمة؟
إذا كانت هذه هي قدرة السلطة على تأمين قاعة محكمة، فماذا يبقى من حديثها عن فرض الأمن وبناء دولة المؤسسات؟
المشكلة ليست مسدساً.. المشكلة في منظومة كاملة
القصر العدلي لم يكشف فقط عن فشل أمني، بل عن أزمة أعمق: سلطة تريد أن تقدم نفسها بوصفها دولة، بينما تكشف الوقائع المتتالية أن منطق القوة لا يزال حاضراً في طريقة إدارة مؤسساتها.
من لا يستطيع حماية محكمة، ومن يسمح بوصول السلاح إلى قاعة الجنايات ثم يعجز عن توقيف مطلق النار، لا يستطيع أن يطلب من السوريين تصديق شعاراته عن القانون والنظام.
القانون لا يُبنى فوق إرث الانتهاكات، والأمن لا يُفرض بمنطق السلاح.وما حدث في اللاذقية ليس سوى أحدث دليل: حين يكون أساس السلطة هو القوة، تصبح مؤسسات الدولة واجهة، بينما يبقى السلاح هو صاحب الكلمة الأخيرة.




