
آريام صالح ـ الحسكة
تشهد مدن وبلدات شمال وشرق سوريا موجة احتجاجات طلابية رافضة لفرض المناهج العربية على الطلبة الكرد، في وقت يؤكد فيه المحتجون أن القضية لا تتعلق بمادة دراسية إضافية أو بعدد من حصص اللغة الكردية، بل بحق أساسي يتمثل في تلقي التعليم باللغة الأم.
ويقول مشاركون في الاحتجاجات إن آلاف الطلبة الكرد يجدون أنفسهم أمام واقع تعليمي يفرض عليهم دراسة كامل المنهاج بالعربية، رغم أن الكردية هي لغتهم الأم، الأمر الذي يهدد بخلق فجوة تعليمية ويضع أعباء إضافية على الأطفال، ولا سيما في المراحل الدراسية الأولى.
اللغة الأم.. حق تعليمي قبل أن تكون مطلباً سياسياً
لا تقتصر مطالب الطلاب الكرد على البعد الثقافي أو الهوياتي، بل تستند أيضاً إلى مبادئ تربوية معترف بها دولياً. فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أهمية التعليم باللغة الأم، لما له من دور في تعزيز الفهم والاستيعاب وتحسين جودة العملية التعليمية.
ويرى ناشطون وتربويون أن المطالبة بالتعليم بالكردية لا تستهدف إقصاء اللغة العربية أو التقليل من أهميتها، بل تنطلق من مبدأ بسيط: كما أن من حق الطفل العربي أن يتعلم بلغته الأم، فمن حق الطفل الكردي أيضاً أن يتعلم بلغته الأم.
ولا يعني اعتماد الكردية لغةً للتدريس حرمان الطلاب من العربية، بل يمكن تدريس العربية كلغة إضافية وفق الحاجة، بما يتيح للطلاب إتقانها والتواصل بها دون تحويلها إلى لغة مفروضة على كامل العملية التعليمية.
من حق العربي أن يتعلم بالعربية.. ومن حق الكردي أن يتعلم بالكردية
جوهر القضية، بحسب المحتجين، هو المساواة لا الامتياز. فمطالبة الكرد بالتعليم بلغتهم لا تنتقص من حقوق الطلاب العرب، ولا تهدد مكانة اللغة العربية، كما أن تعليم العرب بالعربية لا ينبغي أن يكون مبرراً لحرمان الكرد من التعليم بالكردية.
وتعتمد دول متعددة القوميات واللغات حول العالم نماذج تعليمية تتيح للطلاب الدراسة بلغاتهم الأم، بالتوازي مع تعلم اللغة الرسمية للدولة أو لغات أخرى، ما يجعل التعدد اللغوي في التعليم ممارسة ممكنة وليست استثناءً.
تجربة أكثر من عقد.. فلماذا العودة إلى التعليم الأحادي؟
وخلال أكثر من عشر سنوات، اعتمدت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نموذجاً تعليمياً متعدد اللغات، حيث دُرّس الطلاب العرب باللغة العربية، والطلاب الكرد باللغة الكردية، والطلاب السريان باللغة السريانية، إلى جانب تعليم اللغات الأخرى.
ويستند المحتجون إلى هذه التجربة للتأكيد على أن اعتماد أكثر من لغة في العملية التعليمية ليس أمراً مستحيلاً، وأن المشكلة لا تكمن في القدرة على تطبيق هذا النموذج، بل في وجود الإرادة السياسية للاعتراف بالتنوع اللغوي والقومي في سوريا.
ثلاث حصص للكردية لا تعالج المشكلة
ويرفض المحتجون الاكتفاء بثلاث حصص لتعليم اللغة الكردية، بينما يبقى كامل المنهاج الدراسي باللغة العربية، معتبرين أن ذلك لا يحقق للطالب الكردي حقه في التعليم بلغته الأم، ولا يعالج الفجوة بين لغة الطفل اليومية ولغة التعليم.
والمطلوب، وفق هذا الطرح، هو أن تكون الكردية لغة تدريس للطلاب الكرد، مع تخصيص حصص مناسبة لتعليم العربية، تماماً كما يمكن اعتماد العربية لغة تدريس للطلاب العرب مع تعليمهم اللغات الأخرى.
الاختبار الحقيقي لسلطة دمشق
وتضع هذه الاحتجاجات سلطة دمشق أمام اختبار حقيقي في التعامل مع التعددية القومية واللغوية في سوريا. فبدلاً من فرض نموذج تعليمي موحد على مجتمع متعدد اللغات، يطالب الطلاب وأهاليهم بنظام يحترم خصوصية كل مكوّن ويضمن المساواة في الحقوق التعليمية.
القضية، في جوهرها، ليست معركة ضد العربية ولا محاولة لإقصائها، بل رفض لتحويل لغة واحدة إلى بوابة إلزامية للتعليم على حساب لغة الأم.
فالاعتراف بحق الكردي في التعليم بالكردية لا ينتقص من العربي شيئاً، كما أن تعليم العربي بالعربية لا ينتقص من الكردي شيئاً. المشكلة تبدأ حين تتحول لغة الأكثرية إلى أداة لحرمان الأقلية من حقها في التعلم بلغتها الأم.




