الأخبار

قسد… القوة الأكثر تماسكاً في سوريا مقابل جيش الولاءات والارتباطات الخارجية

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد السوري، لم يعد السؤال المطروح هو من يسيطر على الأرض فقط، بل من يمتلك مشروعاً عسكرياً وأمنياً قابلاً للاستمرار. وبينما تحاول سلطة دمشق الجديدة تقديم نفسها كبديل، تكشف الوقائع الميدانية والبنيوية أن ميزان القوة الحقيقي يميل بوضوح لصالح قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بوصفها القوة الأكثر تنظيماً وتماسكاً واستقلالية في سوريا اليوم.

مؤسسة عسكرية مقابل تجميع فصائلي

منذ تأسيسها، تطورت قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مؤسساتية، ذات هيكل قيادي واضح وعقيدة قتالية محددة تقوم على حماية الأرض ومكافحة الإرهاب. هذه البنية سمحت لقسد بالتحول من قوة محلية إلى لاعب عسكري–أمني رئيسي ذات ثقل إقليمي، يمتلك خبرة ميدانية عميقة وقدرة على ضبط مناطق واسعة جغرافياً وسكانياً.

في المقابل، تتكوّن قوات سلطة دمشق الجديدة من خليط غير متجانس من فصائل سابقة بعضها موالية لتركيا وأخرى جهادية إرهابية، ما يعني أنه أعيد تدويرها تحت مسميات جديدة، دون عملية بناء حقيقية لمؤسسة عسكرية وطنية. هذا الواقع جعلها أقرب إلى تجميع فصائلي هش منه إلى جيش منضبط، وهو ما ينعكس مباشرة على أدائها الميداني ومستوى الانضباط داخلها.

الولاء: العامل الحاسم

أحد أهم عناصر التفوق لدى قسد يتمثل في الولاء الداخلي. فالغالبية الساحقة من مقاتليها هم أبناء المناطق التي تنتشر فيها، عرب، كرد، سريان وآشور، يقاتلون بدافع حماية مجتمعهم وأرضهم، ضمن تسلسل قيادي واضح.

على النقيض، تعاني قوات سلطة دمشق من تعدد الولاءات داخل صفوفها، حيث تقاتل بعض التشكيلات بدوافع مالية أو سياسية أو تبعاً لجهات خارجية. هذا التباين في الدوافع يجعلها عرضة للتفكك في أي اختبار جدي، ويحدّ من قدرتها على الصمود طويل الأمد.

الدور التركي: جيش بالوكالة

لا يمكن قراءة واقع قوات سلطة دمشق الجديدة بمعزل عن الدور التركي. فالمعطيات تشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه القوات يتحرك وفق أولويات أنقرة الأمنية والسياسية، وليس وفق مصلحة وطنية سورية مستقلة. وقد جرى استخدام هذه التشكيلات في مراحل مختلفة كأدوات ضغط إقليمية، ما يضعها عملياً في خانة القوات الوظيفية أو المرتزقة.

في المقابل، حافظت قسد على قدر معتبر من الاستقلالية في قرارها العسكري، ولم تتحول إلى أداة بيد أي دولة إقليمية، رغم شراكاتها مع التحالف الدولي في إطار مكافحة تنظيم داعش.

اختراقات متطرفة وخطر أمني دائم

أخطر ما يواجه قوات سلطة دمشق الجديدة هو وجود عناصر متطرفة وأجنبية داخل صفوفها، تضم مقاتلين من جنسيات متعددة، وبعضهم يحمل فكراً جهادياً متشدداً أو سجلاً في تنظيمات مصنفة إرهابية. هذا الواقع لا يشكل فقط تهديداً أمنياً داخلياً، بل يفتح الباب أمام إعادة إنتاج التطرف والعنف، ويجعل هذه القوات مصدر قلق حقيقي للسكان المدنيين.

في المقابل، تتمتع قسد بسجل معترف به في مكافحة الإرهاب، وكانت القوة الأساسية التي أنهت الوجود الجغرافي لتنظيم داعش، مستندة إلى منظومة أمن داخلي فعالة وقدرة استخباراتية عالية.

السيطرة والاستقرار

تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على مساحات واسعة تُعد من الأكثر أهمية استراتيجياً واقتصادياً في سوريا، وتشمل مناطق زراعية ونفطية ومائية. الأهم من ذلك أن هذه السيطرة لم تكن عسكرية فقط، بل رافقها مستوى مقبول من الاستقرار الأمني والإدارة المحلية، ما عزز من استدامتها.

في المقابل، تسيطر قوات سلطة دمشق على مناطق متقطعة، تعاني من هشاشة أمنية وقيام فصائلها بمجازر وجرائم قتل في الساحل والسويداء ومناطق أخرى تحت سيطرتها وضعف إداري واعتماد كبير على الدعم الخارجي.

المقارنة بين الطرفين لم تعد محل جدل جدي. قوات سوريا الديمقراطية تمثل اليوم القوة الأكثر أهلية، تنظيماً، وخبرة في سوريا، بفضل بنيتها المؤسسية، ولائها الداخلي، واستقلالية قرارها، وسجلها في مكافحة الإرهاب.

في المقابل، تعكس قوات سلطة دمشق الجديدة نموذجاً لقوة مرتهنة، متعددة الولاءات، وتشكل في وضعها الحالي عامل عدم استقرار أكثر من كونها ضمانة للأمن.

وفي معادلة سوريا المعقدة، يبقى الثابت الوحيد أن القوة التي تمتلك التنظيم والشرعية الواقعية هي التي ستبقى، وقسد اليوم هي الطرف الأقرب إلى هذا الوصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى