مقالات

الحرب الإيرانية الأمريكية وتأثيرها على القضية الكردية

باور حسن

يبدو أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران كانت نقطة تحول وفصل بين مشروع الشرق الأوسط الكبير والمشروع الإقليمي، وعلى رأسها تركيا وإيران؛ بحسب التجهيزات الأمريكية والإسرائيلية العالية لشن حرب ضد إيران، كان لها بُعد وعمق استراتيجي أكثر مما هو عسكري، كون يتوضح يومًا بعد يوم عدة سيناريوهات.

1- محدودية استخدام القوة العسكرية ضد إيران

عدم استعمال أمريكا وإسرائيل كافة القدرات العسكرية ضد إيران خوفًا من دخول المنطقة في أزمة كبيرة، من شأنها أن تولد تكتلات إقليمية لم تكن بالحسبان، من مبدأ: “كثرة الضغط يولد انفجار”، وبالتالي يتشكل كتلة ضد الهيمنة العالمية وعدم قدرتهم على السيطرة عليها، وخاصة مخاوف تركيا من مجيء دورها، فقامت بدعم إيراني بشكل خفي جدًا.

هنا تركيا ضربت عصفورين بحجر واحد:

أولًا: عرقلة المشروع الأمريكي الإسرائيلي وما يسمى “معبر داوود”.

ثانيًا: خطوة استباقية في ملف القضية الكردية والإطاحة بها.

كون صمود إيران ضد الحرب الإسرائيلية الأمريكية، في نفس الوقت، هو صمود إيراني من الداخل في وجه القضايا الوطنية، وأبرزها القضية الكردية.

ورغم أنه كان بمقدور تركيا اللعب على الوتر الأذري في إيران لإضعافها، لكنها لم تفعل، والضغوطات العالمية والإقليمية والتطورات في المنطقة والعالم، وخاصة بما يخص الكرد و”ب ك ك”، جاءت لصالح الأتراك وإيران بنفس الوقت.

وهي عملية السلام التي أبرمها القائد أوجلان لتخفيف الضغط وفتح مجال خلال القرن الآتي أمام القضية الكردية من الضياع، كون الظروف الإقليمية والعالمية حاليًا لم تكن لصالح حركات التحرر الوطنية مثل حركتنا وكانت هذه حقيقة يجب علينا ألّا نغفلها، كون السياسية الأمريكية الإسرائيلية، وبدعم أوروبي، هي القضاء على هذه الحركات التي يعتبرونها حركات تمردية ضد الهيمنة العالمية وعرقلة مخططاتهم، وإضعاف الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، التي يمثلها كل من تركيا وإيران.

2- توسيع الحرب وإدخال الخليج في الصراع

الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران كانت من أجل توسيع منطقة الحرب وإدخال دول الخليج فيها، وفعلاً إيران قامت بضرب دول الخليج، وكان هذا مخططًا أمريكيًا إسرائيليًا لضرب الإسلام السني بالشيعي وركوع دول الخليج لأمريكا وإسرائيل.

ومن خلال عدة تصريحات للرئيس الأمريكي ترامب، قال إن سقوط النظام الإيراني لا يهم، المهم هو التغيير، وهذا يعني أنه لا يسأل على حقوق وحريات الأقليات المتواجدة في إيران وتركيا وسوريا.

3- كشف القدرات الإيرانية والداعمين الخفيين

استطاعت أمريكا وإسرائيل، من خلال ضرباتها الجوية، معرفة القدرات الإيرانية العسكرية ومعرفة الداعمين لها خفية، مثل روسيا والصين وكوريا وباكستان…

وهذه الدول سارعت إلى الدعم الخفي لإيران، لأنه من أهداف الأمريكية البعيدة القضاء على الاقتصاد الصيني والكوري الذي غزا الأسواق في القارات الآسيوية والأوروبية، ووضع حد لروسيا في تهديد أوروبا بملف إمداداتهم بالغاز.

خطورة التطورات على القضية الكردية

وهنا تكمن الخطورة في ملف القضية الكردية كثيرًا، كون تتوحد بعض مخططات دول الهيمنة العالمية مع الدول الإقليمية فيما يخص قضايا الأقليات في دولهم.

وهناك تناقضات بينهم على مستوى التدخلات الدول الإقليمية في سياسات الهيمنة العالمية، بينما دول الهيمنة العالمية تعمل على وتر كسب الأقليات لتمرير ضغوطاتهم على الدول الإقليمية، وفي حين تقاربهم تذهب الأقليات في مهب الرياح.

اللوبي الصهيوني وحالة الفوضى

اللوبي الصهيونية تريد خلق حالة من عدم الاستقرار وحروب وفلتان أمني وأخلاقي في العالم، وبالأخص في الدول المجاورة لها.

وفي حين لم تنجح مخططاتها بشكل جيد، فإن هذه السياسة تعتمد على الخلايا العاملة لصالح إسرائيل وأمريكا، وبنفس الوقت تريد فرط ما تبقى في وجه مخططاتها عن طريق الفتن واللعب على دور الحساس، بأنه يوجد ضمن الحركة الواحدة، مثل “ب ك ك” أو حزب الله أو غيرها، أن قاداتهم يعملون لصالح أجندة خارجية، وأن قاداتهم في الصف الأول لكل منهم ميول لصالح دولة معينة ويسيرون سياسات تلك الدول.

الاتهامات الموجهة للحركة وقسد

فعلاً، هذا ما تم تداوله مؤخرًا عن حركتنا عندما تأمرت دول الهيمنة العالمية على قواتنا “قسد” ومناطقنا، تحت ذريعة بأن معظم كوادر الحركة ضمن الصف الأول يسيرون مخططات إيرانية ومنهم تركية والتي تخدم العدو.

وأن السبب الأساسي لأمريكا في ترك الكرد في سوريا بهذه الحالة، أن الكوادر في الصف الأول كانوا لا يتركون صلتهم بإيران، ومنطقة “قسد” كانت طريقًا لوجستيًا يخدم بين حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي.

المشروع الكردي في سوريا

أخيرًا وليس آخرًا، إفشال المشروع الكردي في سوريا فقط كان لأنه مشروع الأمة الديمقراطية التي لا تخدم الرأسمالية العالمية، ورأت بأن هذا المشروع يخدم وحدة ومصلحة دول المنطقة ويعيق سياسات الرأسمالية على الشرق الأوسط، وضرب مصالحها، كون تبين أن الهدف هو “ب ك ك” وليس الكرد، من خلال دعمهم المطلق لحكومة كردستان العراق.

وحاليًا لوحظ تغير في أسلوب التعامل مع كردستان العراق أيضًا بعد الأحداث الأخيرة التي قامت بها رئاسة إقليم العراق بشأن إيجاد حل للحقوق الكرد في سوريا.

ملف دمج قسد مع الحكومة السورية

عملية الدمج الحالية بين قوات “قسد” والحكومة السورية المؤقتة هي ملف كبير فيه تناقضات أكثر من تقاربات، فجميع الأطراف تريد كسب الوقت حاليًا وعدم الدخول في اشتباكات عسكرية.

القوي من يستطيع الصيد في المياه العكرة، واستمرار الدمج وآليتها بهذا الشكل يوجه القضية الكردية إلى مراحل أولى من نضالها، كون الحكومة الحالية وعلى رأسها تركيا لا تريد إعطاء حقوق للكرد.

وأمريكا حاليًا لا تريد فتح باب التناقضات مع تركيا إذ لم تنتهِ من ملف إيران، وإسرائيل تعمل حاليًا على الجنوب السوري بشكل كبير كورقة ضغط وتهديد بنفس الوقت على الحكومة السورية وتركيا، بإحباط مشروع وحدة الأراضي السورية وتقوية مشروع التقسيم في المنطقة.

بعكس ما تريده تركيا وإيران، اللتان تسعيان إلى إعطاء حقوق الكرد والأقليات ضمن حدود الدولة الواحدة، التي من شأنها إحباط مشروع إسرائيل “من الفرات إلى النيل”.

التحركات الروسية ومستقبل سوريا

تحركات الروسية خلال هذه الفترة لم تأتِ عن عبث، بل هي بتنسيق أمريكي إسرائيلي، كون لعبت روسيا دورًا أساسيًا في إسقاط نظام الأسد من أجل إفشال اتفاقية أستانة الضامنة بين إيران وتركيا وروسيا.

واستطاعت روسيا إبعاد تركيا وإيران من سوريا وعدم تدخلهم المباشر في الأرض السورية وملفاتها، حيث إن إسقاط الأسد أنهى شرعية إيران وتركيا في سوريا وروسيا أيضًا، لذلك خرجت مبدئيًا من سوريا.

وأخمن أن هناك مشروعًا يتم التحضير له من قبل روسيا وأمريكا وإسرائيل، وهو التقسيم الإداري “إدارات ذاتية ولكن بنكهة أمريكية”، وأن عملية الدمج لن تنجح، كون جميع الأطراف ليس لها نية بالنجاح، وإنما هي لإرضاء السياسة الحالية في المنطقة وعدم تأزيم ملفات سوريا لحين يتم الانتهاء من ملف إيران.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى