
في خضمّ المسار السياسي والعسكري المتعلق بالاندماج مع الحكومة المؤقتة، تتمسّك قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية بموقف واضح: تنفيذ ما تم الاتفاق عليه دون انتقاص أو إعادة تفسير. هذا الالتزام لا يُقرأ كتنازل، بل كمسار مشروط بسقف ثابت من الحقوق والثوابت التي لا يمكن المساس بها تحت أي ظرف.
المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الاندماج المطروح ليس مفتوحاً على حساب الخصوصية، بل مقيد ببنود واضحة، وفي مقدمتها دمج وحدات حماية المرأة (YPJ) كقوة قائمة بذاتها ضمن أي هيكلية عسكرية مستقبلية. هذا البند لم يعد تفصيلاً قابلاً للنقاش، بل تحوّل إلى معيار لجدية أي اتفاق.
وفي هذا السياق، أكدت روهلات عفرين، عضوة القيادة العامة في وحدات حماية المرأة، أن الاعتراف بـ YPJ يشكّل أحد البنود الأساسية في اتفاق 29 كانون الثاني، موضحة أن هذا الاعتراف يأتي ضمن عملية إعادة تنظيم وهيكلة القوى العسكرية بما يتلاءم مع المرحلة الراهنة. وشددت على أن إدماج الوحدات لا يعني تذويبها، بل تثبيت دورها وتعزيز موقعها داخل المنظومة الدفاعية.
وأضافت عفرين أن المرحلة الحالية تفرض إعادة هيكلة شاملة، لكن هذه العملية يجب أن تقوم على أسس واضحة تضمن تنسيقاً أعلى وتنظيماً أكثر فاعلية دون إلغاء القوى التي أثبتت حضورها ودورها، في إشارة مباشرة إلى وحدات حماية المرأة. وبذلك، يصبح الاعتراف الرسمي بالوحدات شرطاً بنيوياً لأي إعادة ترتيب عسكري، لا خطوة ثانوية.
بالتوازي، يبرز ملف اللغة الكردية والتعليم باللغة الأم كأحد أكثر الملفات حساسية، وخطاً أحمر لا يقل صرامة. فالموقف هنا لا يستند فقط إلى اعتبارات سياسية أو ثقافية، بل إلى مرجعية قانونية دولية واضحة. إذ تنص مواثيق الأمم المتحدة، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات حماية حقوق الأقليات، على حق الشعوب في استخدام لغتها الأم وتلقي التعليم بها دون تمييز.
كما تؤكد المبادئ الأممية المتعلقة بحقوق الأقليات أن الدول مطالبة بضمان إمكانية التعلم باللغة الأم، خاصة في المناطق التي تشكل فيها جماعة قومية أو لغوية أغلبية سكانية. وعليه، فإن استمرار التعليم باللغة الكردية في المناطق ذات الغالبية الكردية ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل حق قانوني دولي مكفول، ولا يمكن إخضاعه للتفاوض أو المقايضة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن أي محاولة لتقييد هذا الحق أو الالتفاف عليه ستُقابل برفض قاطع، باعتبار أن المساس باللغة يعني المساس بالهوية، وهو ما يُعدّ تجاوزاً للخطوط الحمراء المعلنة.
بين هذين الملفين—YPJ واللغة الكردية—تتحدد معادلة الاندماج: التزام بالتنفيذ، مقابل احترام كامل للثوابت. فلا اندماج دون اعتراف، ولا استقرار دون ضمان الحقوق. المرحلة المقبلة، وفق هذا المنظور، لن تكون ساحة تنازلات، بل اختباراً حقيقياً لمدى الالتزام بما تم الاتفاق عليه حرفياً، لا سياسياً.




