
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا حراكاً مجتمعياً متصاعداً يعكس تمسّك المكوّنات المحلية بنهج التعايش المشترك، في وقت تتزايد فيه محاولات بثّ الفتنة والتشكيك بطبيعة العلاقة بين أبناء المنطقة. ويبرز هذا الحراك من خلال اجتماعات عشائرية موسّعة وزيارات دينية لافتة، حملت في مجملها رسائل واضحة تؤكد وحدة النسيج الاجتماعي.
اجتماعات العشائر: رسائل وحدة تتجاوز الانقسامات
شكّلت اللقاءات العشائرية في منطقة الجزيرة، ولا سيما اجتماع سارنجة دقورية بريف عامودا شرقي الحسكة، محطة بارزة في هذا السياق، حيث جمع وجهاء وشيوخ عشائر كردية وعربية إلى جانب شخصيات اجتماعية. وجاء هذا الاجتماع ليؤكد أن الروابط بين المكونات ليست ظرفية، بل تستند إلى تاريخ طويل من التعايش والمصير المشترك.
كما عزّز اجتماع تل علو هذه الرسائل، من خلال مشاركة واسعة من مختلف المكونات، والتأكيد على رفض كل أشكال التحريض والتفرقة. وشدد المشاركون في هذه اللقاءات على أن العشائر تمثّل ركيزة أساسية في حماية السلم الأهلي، وأنها قادرة على إفشال أي محاولات لإحداث شرخ مجتمعي.
زيارة البطريرك: تجسيد حيّ للتنوّع والتلاحم
في موازاة الحراك العشائري، جاءت زيارة مار أغناطيوس أفرام الثاني إلى مدينة قامشلو لتؤكد عمق التنوّع الديني والاجتماعي في المنطقة. فقد حظيت الزيارة باستقبال واسع من مختلف المكونات، بما فيها الأحزاب والعشائر، إلى جانب حشود كبيرة من أبناء المكوّن السرياني.
وعكست هذه المشاركة الواسعة صورة واضحة عن طبيعة العلاقات بين المكونات، حيث بدا التلاحم المجتمعي حاضراً بقوة، في رسالة تؤكد أن المكوّن السرياني جزء أصيل من النسيج العام، وأن التنوّع يشكّل عنصر قوة لا عامل انقسام.
محاولات التضليل: واقع يفنّد الروايات
بالتوازي مع هذه التطورات، تتزايد حملات التضليل عبر بعض منصات التواصل، والتي تسعى إلى تصوير شمال وشرق سوريا كمنطقة تعيش حالة تنافر بين مكوناتها. إلا أن الوقائع الميدانية، من اجتماعات عشائرية متكررة إلى فعاليات مشتركة وزيارات دينية جامعة، تكشف عكس ذلك تماماً.
وتحاول هذه الحملات ضرب الثقة بين المكونات وإثارة الشكوك، مستغلة الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد. غير أن وعي المجتمع المحلي، كما يظهر في هذه التحركات، يشكّل حاجزاً أمام هذه المحاولات، ويؤكد تمسك أبناء المنطقة بخيار التعايش ورفضهم الانجرار وراء خطاب الكراهية.
أخوّة الشعوب وحقوق الكرد… شراكة لا تقبل التنازل أو الالتفاف
أخوّة الشعوب لا تعني بأي حال التنازل عن حقوق أي مكوّن، وفي مقدّمها حقوق الشعب الكردي. فالتعايش الحقيقي يقوم على التوازن والعدالة، لا على تذويب الهويات أو تجاوز المطالب المشروعة تحت عناوين عامة وجذّابة.
في شمال وشرق سوريا، أثبتت التجربة أن العلاقة بين المكوّنات يمكن أن تكون نموذجاً إيجابياً عندما تُبنى على الاحترام المتبادل والاعتراف المتكافئ بالحقوق. لكن في المقابل، تحاول بعض الجهات توظيف مفهوم “أخوّة الشعوب” بطريقة انتقائية، لتهميش قضايا أساسية أو تأجيلها، خصوصاً ما يتعلق بالحقوق السياسية والثقافية للشعب الكردي.
هذا الطرح يفرغ المفهوم من مضمونه الحقيقي، لأن الأخوّة لا تعني إنكار الخصوصيات أو إسكات المطالب، بل تعني حماية هذه الحقوق ضمن إطار جامع. فلا يمكن الحديث عن شراكة حقيقية في ظل غياب العدالة، ولا عن استقرار مستدام دون ضمان حقوق جميع المكونات بشكل واضح ومتساوٍ.
كما أن استخدام هذا الشعار لتبرير سياسات أو مواقف تتجاهل الواقع، يفتح الباب أمام فقدان الثقة بين المكوّنات، وهو ما يتناقض مع الهدف الأساسي من التعايش المشترك. فالمجتمعات المتماسكة لا تُبنى على الشعارات، بل على ضمان الحقوق وترسيخ مبدأ الشفافية والإنصاف.
أخوّة الشعوب قيمة حقيقية عندما تُترجم إلى عدالة وشراكة فعلية، لكنها تتحول إلى أداة إقصاء إذا استُخدمت لتجاوز حقوق أي طرف. ومن هنا، فإن حماية حقوق الشعب الكردي لا تتعارض مع التعايش، بل تشكّل أحد شروطه الأساسية.
في المحصلة، تعكس اجتماعات العشائر وزيارة البطريرك مشهداً متكاملاً لحالة التماسك في شمال وشرق سوريا، حيث يتكامل الدوران الاجتماعي والديني في تعزيز الاستقرار. وفي مواجهة حملات التضليل، تبدو الرسالة أوضح من أي وقت مضى: وحدة المكونات ليست خياراً، بل ضرورة، والتعايش المشترك هو الأساس لأي استقرار مستدام.




