الأخبارشمال وشرق سوريا

الكردية ليست «حصة مدرسية».. حين يُختزل حق التعليم باللغة الأم في تعلّم بضع كلمات!

في النقاش حول حقوق الكرد اللغوية في سوريا، يجري وضع عبارتين مختلفتين تماماً في سلة واحدة: «التعلّم بالكردية» و«تعلّم الكردية»، وكأنهما تعنيان الشيء نفسه، بينما الفارق بينهما ليس تفصيلاً لغوياً يمكن تجاوزه، بل جوهر القضية نفسها.

تعلّم الكردية يعني أن يجلس الطالب أمام كتاب اللغة الكردية ليتعلم مفرداتها وقواعدها، كما يتعلم أي لغة أخرى. أما التعلّم بالكردية فيعني شيئاً أعمق بكثير: أن تكون الكردية هي اللغة التي يتلقى بها الطفل مختلف أشكال المعرفة، فيدرس الرياضيات والعلوم والتاريخ وسائر المواد بلغته الأم.

وهنا تحديداً تكمن القضية. فعندما يُقال للطفل الكردي: «سنعلّمك لغتك»، يبقى السؤال الأهم: هل ستتعلّم بلغتك؟

فالفرق بين العبارتين هو الفرق بين أن تكون الكردية مادةً في المنهاج، وبين أن تكون لغةً يحمل بها المنهاج نفسه.

والشواهد من الواقع التعليمي في المناطق الكردية توضح هذا الفرق؛ فقد شهدت مناطق شمال وشرق سوريا خلال السنوات الماضية نموذجاً تعليمياً استُخدمت فيه الكردية لغةً أساسية للتدريس في مراحل مختلفة، إلى جانب العربية ولغات أخرى. كما أن المطالب الكردية المتعلقة باللغة لم تتوقف عند مجرد إضافة مادة «اللغة الكردية» إلى المناهج، بل ارتبطت بمطلب أوسع يتمثل في الحق في التعليم باللغة الأم وحماية اللغة باعتبارها جزءاً من الهوية والثقافة.

ومن هنا، يجب أن يكون النقاش واضحاً: المطالبة بالتعليم بالكردية لا تعني فرض الكردية على العرب. فالطالب العربي ليس مطالباً بتلقي تعليمه بالكردية، كما أن تعلّم المواطن العربي للكردية يمكن أن يكون خياراً ثقافياً وتواصلياً يفتح جسراً مع لغة جاره وثقافته.

لكن في المقابل، لا يمكن تقديم «تعليم الكردية» باعتباره جواباً نهائياً عن مطلب «التعليم بالكردية»؛ لأن الطفل الكردي لا يطالب فقط بأن يعرف كيف يقول «كتاب» و«مدرسة» بلغته، بل يطالب بأن يستطيع قراءة الكتاب ودراسة العلوم وفهم التاريخ من خلال لغته الأم. وهذا هو الفارق الذي يجري القفز فوقه في كثير من الأحيان.

الكردية ليست مجرد حصة تُضاف إلى جدول المدرسة، بل هي بالنسبة للطفل الكردي لغة أم، وهوية، وأداة للمعرفة. لذلك، فإن السؤال الحقيقي أمام أي مشروع تعليمي في سوريا لا ينبغي أن يكون فقط: «هل سيتعلم الكردي اللغة الكردية؟» بل السؤال الأهم هو: «هل سيملك الكردي حق أن يتعلم بالكردية؟» فالاعتراف باللغة على الورق شيء، وتحويلها إلى لغة حقيقية للمعرفة والتعليم شيء آخر تماماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى